اليوم الاربعاء 26 سبتمبر 2018م
نيوز بارالكوفية خطة إسرائيلية لإنهاء عمل الأونروا في القدسالكوفية

التاريخ يراهن على الشعب الفلسطيني

12:12 - 09 يونيو - 2018
فتحي خطاب
الكوفية:

العنوان من وحي لقاء سابق مع السياسي والشاعر الفلسطيني الراحل، توفيق زياد، رئيس بلدية الناصرة، بحضور السفير (أبو الحكم) محمد صبيح، على هامش ندوة حوارية في صيف 1992 بأحد فنادق القاهرة الكبرى، حين قلت له إنه يراهن على صمود وتحدي الشعب الفلسطيني في قصيدته ( إنا هنا باقون .. كأننا عشرون مستحيل// في اللد والرّملة والجليل // فلتشربوا البحر // هنا على صدوركم.. باقون كالجدار // نحرس ظل التين والزيتون // ونزرع الأفكار كالخمير في العجين ).. وقال رحمه الله، هذا صحيح، وليس لأنني فلسطيني، ولكن لأن التاريخ نفسه يراهن على الشعب الفلسطيني، حتى ولو كان هذا زمن الحق الضائع .. وإقرا التاريخ جيدا.

استعيد كلمات الشاعر الفلسطيني الكبير، توفيق زياد، في ظل أجواء يقول عنها المتصلون بالموافع السياسية العليا، إنها «عاصفة، وضاغطة، وأن مسالك الطرق غير واضحة».. وبقصدون بالطبع التحرك الأمريكي منذ إعلان القدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة الأمريكية إليها، ثم تسريبات بنود «صفقة القرن»، وما يجرى على الأرض من خطوات عزل القدس عن الضفة الغربية المحتلة بضم منطقة الخان الأحمر (بوابة القدس الشرقية)، وأصبح الرهان الوحيد على الشعب الفلسطيني، خاصة وأن عواصم العالم العربي أصبحت ليس بها حيوية !!

والتحرك الأمريكي ـ بقيادة ترامب ـ يعيد نفس فصول القصة منذ قرن من الزمان تقريبا، وحين كان التخطيط البريطاني لترتيب أمور الشام ينتقل بسرعة للتركيز على فلسطين، وبالتحديد للعمل على إقامة وطن لليهود فيها، يؤدي دوره المرسوم في الإستراتيجية البريطانية!!

وفي الحالتين نجد (فلسطين) في القلب من الحدث.. وفي الحالتين نجد التاريخ يراهن على الشعب الفلسطيني أيضا، والذي أدرك مبكرا أن «الدولة الأعظم» ـ أمريكا ـ تمهد الأرض لإسرائيل بالإنقضاض على فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، وتعيد لعب نفس دور «بريطانيا العظمى» قبل نحو 100 عام بتمهيد الأرض للمستوطنين، «المستعمرين الجدد»، حين طلبت الحكومة البريطانية ـ وأثناء الحرب العالمية الأولى سنة 1915 ـ من السير «هربرت صمويل» أن يضع تصورا لما ينبغي أن يكون عليه أمر فلسطين بعد النصر، وكتب «هربرت صمويل» بوصفه عضوا في وزارة الحرب ـ إلى جانب كونه يهوديا وصهيونيا أيضا ـ مذكرة بعنوان «مستقبل فلسطين » تاريخها 5 فبراير/ شباط 1915، توصل فيها إلى نتيجتين : إحداهما : إن الحل الذي يوفر أكبر فرصة للنجاح ولضمان المصالح البريطانية، هو إقامة إتحاد يهودي كبير تحت السيادة البريطانية في فلسطين.. وأن فلسطين يجب أن توضع بعد الحرب تحت السيطرة البريطانية، ويستطيع الحكم البريطاني فيها أن يعطي تسهيلات للمنظمات اليهودية في شراء الأراضي وإقامة المستعمرات وتنظيم الهجرة والمساعدة على التطور الاقتصادي بحيث يتمكن اليهود من أن يصبحوا أكثرية في البلاد !! وكانت تلك هي الظروف والأجواء التي صدر فيها «وعد بلفور» الشهير في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917

وربما كانت مصادفة تاريخية «مشؤومة» أن بفوض الرئيس ترامب (صهره وممستشاره جاريد كوشنر، وهو يهودي صهيوني أيضا) بوضع تصورا لما ينبغي أن يكون عليه أمر فلسطين بعد احلال أو فرض السلام على الفلسطينيين، وبنفس التعبير «المساعدة على التطور الاقتصادي حتى يتمكن اليهود من ترسيخ قواعد دولتهم !!

وفي مثل هذه الأجواء، وقبل قرن من الزمان تقريبا، أدرك الفلسطينيون حجم المؤامرة التي تحيط بالوطن، وأن «بريطانيا العظمى» الحارس الواقف على بوابات فلسطين بالإنتداب، تمهد الأرض للمستوطينين اليهود والأفواج القادمة منهم، وتغض الطرف تماما عن العمليات الإرهابية العدوانية وممارسات العصابات الصهيونية، فاندلعت نيران الثورة في فلسطين ( 19 إبريل / نيسان 1936) وتدخل البوليس البريطاني، وإشتبك مع المواطنين الفلسطينيين، وفرض نظام منع التجول، واستشهد فلسطينيان، وأعلن الشعب العربي في فلسطين الإضراب العام الذي إستمر 176 يوما، إضرابا عاما لم يسبق له مثيل في الوطن العربي، قدم الشعب الفلسطيني خلاله أقصى ما يمكن أن يقدمه شعب مستميت في البسالة والتضحية والثبات والصبر..وكانت بداية الإضراب حين قرر المواطنون في يافا ـ في إجتماع عقده فريق منهم في 20 أبريل/ نيسان 1936 ـ الإضراب العام «برا وبحرا» وأصدروا بيانا وافقت عليه جميع المدن والقرى في فلسطين، وشمل الإضراب جميع مرافق الحياة الإقتصادية والإجتماعية، فأغلقت جميع المخازن والمصانع والمقاهي، وتوقفت الحركة التجارية، فلم يرق ذلك لحكومة الإنتداب البريطاني، وحاولت إرغام التجار على فتح مخازنهم، فنقلوا بضائعهم إلى بيوتهم، وكتب عدد منهم على مخازنهم «برسم الإجار والمخابرة مع الحكومة !!».

وتركت الأحزاب السياسية تخاصمها، وإجتمع رؤساؤها وقرروا تأسيس «لجنة عربية عليا» لتوحيد القيادة، وللإشراف على الحركة الوطنية، وتألفت اللجنة العربية العليا من رؤساء الأحزاب الخمسة، وخمسة آخرين من رجالات البلاد.. وأخذ الإضراب السلمي يتسع رغم تعسف البوليس البريطاني واعتداءاته على الشعب الفلسطيني، والتمادي في سياسة الإعتقال والحبس.. وظهرت عمليات مسلحة للمقاومة الفلسطينية قادها الشيخ عزالدين القسام والذي أستشهد في معارك الثورة، وحمل معظم القرويين وكثير من أهل المدن السلاح، وأخذوا يقاومون القوة بالقوة، وكان القتال في كل مكان في الليل والنهار، وتصاعدت حدة المواجهة في منطقة القدس «معركة باب الواد»، و في سائر فلسطين : «معركة نور شمس»، و «معركة عين جارود»، و«معركة وادي عزون»، و«معركة بلعا الأولى» .. وعندما دخل فوزي القاوقجي فلسطين في الثلث الأخير من شهر أغسطس/ آب 1936، دخلت الثورة في دورها الثاني، وبعد أن استلم الجنرال (ديل) القيادة العليا للقوى البريطانية في فلسطين وشرق الأردن وجعل مركزها القدس، ودارت معارك «نور شمس عنبتا»، و«ترشيحا» و«جبع»، و«حلحول»، ومعركة برقة ـ بيت أمرين ، ومعركة الخضر، ومعركة كفر صور، وغيرها ..وتأججت نيران الثورة، وتدخل أمراء وملوك العرب، بتوجيه نداء إلى اللجنة العربية العليا، بإعطاء فرصة للحكومة البريطانية لإعادة تقييم الأمور !! وإستجابت اللجنة العربية العليا في 31 أغسطس/ آب 1936 لنداء الوساطة العربية، ولكن الحكومة البريطانية «الصديقة للعرب» لم تفعل شيئا، وعادت نيران الثورة تتأجج مرة أخرى، وتواصلت على مدى ثلاث سنوات، حتى أضطرت الحكومة البريطانية إلى عقد مؤتمر دولي في لندن سنة 1938 بمشاركة بعض الدول العربية، وأصدرت بريطانيا وثيقة تحمل عنوان «كتاب أبيض» سنة 1939 يشرح تصورها لحل المشكلة الفلسطينية، ويتضمن إستقلالا مشروطا لدولة فلسطينية بعد فترة إنتقالية مدتها عشر سنوات، مع السماح بدخول 15 ألف مهاجر يهودي كل سنة إلى فلسطين لمدة خمس سنوات فقط!!

ويرى المؤرخ والأكاديمي الإسرائيلي، إيلان بيه، أن الفلسطينيين كانت أمامهم فرصة تاريخية مع ثورة 1936 لإعلان دولة فلسطين المستقلة، إلا أن الأحداث انحرفت في اتجاه آخر بفعل التدخل العربي معتمدين على حسن نوايا صديقتهم « الحكومة البريطانية» ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل، ولم تفعل الحكومة البريطانية «الصديقة للعرب» شيئا !!

قبل ثورة 1936 فجر الفلسطينيون انتفاضة أكتوبر/ تشرين الأول 1933 في مواجهة ارتفاع معدل الهجرة اليهودية إلى فلسطينن وتم تشكيل لجنة ممثلة للشعب الفلسطيني طالبت بوقف الهجرة مهددة بالعصيان المدني في حالة الرفض، ولم تستجب بريطانيا لمطالبهم، فقررت اللجنة التصعيد وتسيير المظاهرات رغم الحظر وبدأت الإضرابات في كل أرجاء فلسطين..و صدر البيان الأول عن اللجنة التنفيذية «إن عرب فلسطين قد يئسوا يأسا تاما من الحكومة البريطانية، فهم لا يخاطبونها بشيء ولا يريدون منها شيئا»..و تزايد ثقة الشعب في الثورة ومحاربة الانتداب البريطاني والاحتلال اليهودي برسالة واضحة إلى المندوب السامي البريطاني الذي اجتمع باللجنة الممثلة للشعب الفلسطيني في 25/10/1933 «إن الشعب يقول لكم إنه ليس لدينا ما نخسره، لقد فقدنا الثقة بالحكومة، ولا نبالي بما سيحدث لنا»

  • كان التاريخ يراهن علي الشعب الفلسطيني منذ انتفاضة 1917 ضد وعد بلفور.. وثورة نيسان 1920 في وجه التعاون البريطاني – الصهيوني، وفرضت السلطات البريطانية الأحكام العرفية.. ثم لحقت بها ثورة يافا 15 مايو /آيار 1921 حيت اعتدت عصابات الصهيونية تحت حماية ودعم قوات بريطانية على حي المنشية، وعمدت إلى تغيير وجهة عدوانها بالهجوم على قرية العباسية المجاورة ليافا، والقيام بمذبحة ضد الفلاحين الآمنين، فرد أهالي القرى بالهجوم على المستعمرات المجاورة وعلى القوات البريطانية التي تحمي المعتدين الصهاينة، وفرضت قوات الاحتلال البريطاني حواجز لحماية المستوطنين اليهود، وتم تشكيل محاكم عسكرية «صورية»أصدرت الأحكام الجائرة بحبس العديد من القادة والنشطاء الفلسطينيين، و فرضت غرامات مالية بقيمة ستة آلاف جنيه فلسطيني على مدن قلقيلية وطولكرم وقاقون.

ومع تزايد تدفق المهاجرين اليهود إلى فلسطين برعاية بريطانية، تصاعدت الاعتداءات الصهيونية على حائط البراق لمحاولة تهويده، وانفجرت ثورة البراق 23 أغسطس/ آب 1929 وهاجم الشبان الفلسطينيون ،المستعمرات الصهيونية ومراكز البوليس البريطاني،وتمكنوا من تدمير ست مستعمرات تدميرا كاملا، وشملت أحداث الثورة معظم مدن فلسطين ،وتركزت أعنف المواجهات في الخليل ونابلس وبيسان وحيفا وصفد واستمرت فعاليات الثورة فيها نحو عام كامل، وأكدت ثورة البراق أن الشعب الفلسطيني مستعد للدفاع عن أرضه.. ثم تم تشكيل . لجنة «شو» الأممية، وأوصت بعد 100 يوم من العمل بتخفيف الهجرة اليهودية إلى فلسطين وأكدت أن البراق ملكية إسلامية ،لا حق لليهود فيه.

  • وإذا كان التاريخ هو ظل الإنسان على الأرض ـ بحسب تعبير السياسي والشاعر الفلسطيني الراحل توفيق زياد، فإنه بالضرورة أن يراهن التاريخ على هذا الإنسان.. ولكن يبدو واضجا أن كل من يقترب أو يتدخل أو يطرح مبادرات وتصورات حول القضية الفلسطينية، لم يقرأوا التاريخ جيدا، أو لم يتعلموا من دروس التاريخ، وربما يجهلون تماما تاريخ شعب تنفرد ثقافته بالمقاومة والرفض والصمود والتحدى طوال تجارب ممتدة تاريخيا، ومرورا بثورة الحجارة 1987 التي هزت الضمير الإنساني، ودفعت بدولة الاحتلال إلى أول مؤتمر دولي للسلام في مدريد 1990 ووصولا إلى الزمن الراهن من «مسيرات العودة»،  والمقاومة والتحدي فوق تراب «خان الأحمر»
كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
الاستطلاع

ما رأيك بموقع قناة الكوفية الجديد

ممتاز
62.5%
جيد جدا
37.5%
جيد
0%
مقبول
0%
عدد المصوتين 8
انتهت فترة التصويت
تويتر
فيسبوك