اليوم الاحد 18 نوفمبر 2018م
الأخبار الفلسطينيةالكوفية

الديمقراطية الدولية وتحولاتها في القرن الواحد والعشرين

14:14 - 08 يونيو - 2018
طلال الشريف
الكوفية:

مع نهايات العام 2000 صدر عدد مجلة السياسة الدولية/ القاهرة، تضمن تقريرا لمحاور وحلقات نقاش لكبار السياسيين وقدمت أوراق من أساتذة وخبراء العرب المخضرمين، ولفتت نظري جزئية مهمة جدا في ورقة  للراحل د. بطرس بطرس غالي الدبلوماسي المصري الكبير والقدير والأمين العام السادس للأمم المتحدة للأعوام 1992 – 1996م حيث هذه الجزئية كانت تركز علي إستشراف المستقبل في موضوع  "الديمقراطية الدولية".. وكأن بطرس غالي بخبرته كان يحاول تبصيرنا في حينها عما ستؤول إليه العلاقات بين الدول في منظومة الأمم المتحدة التي رأيناها بعده ونراها الآن، وما تحمله من هيمنة الولايات المتحدة علي المنظمة الدولية لتصبح كما سميتها في أحد مقالاتي السابقة أي الأمم المتحدة "أحد روافع العولمة الخمس" وهي في الأصل ثلاث روافع رئيسية: البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.. وأضفت لها في مقال سابق لي قبل سنوات  كإستشراف للمستقبل رافعتين أصبحتا الآن حقيقة، وهما الأمم المتحدة والفيفا، وسنتحدث عنهما في مقال لاحق.

خلال تولي بطرس غالي منصب الأمين العام للأمم المتحدة، دعم بشدة دور المنظمة الدولية في الوساطة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وشهدت ولايته كأمين عام للأمم المتحدة عمليات صعبة وطويلة الأمد لحفظ السلام في البوسنة والهرسك، والصومال، ورواندا، لكن استياء الولايات المتحدة من نهج بطرس غالي المستقل، حال في النهاية دون نجاحه في تولي أمانة الأمم المتحدة لولاية ثانية في 1996، وهو من القلائل جدا الذين لم يمدد لهم لولاية ثانية.

أردت من هذه المقدمة القصيرة أن ألقي الضوء علي جزئية مهمة لم يلتفت إليها العالم العربي في ورقة بطرس غالي، والتي علي ما يبدو كان يبعث من خلالها رسالة للدبلوماسية العربية بأن أحوال الأمم المتحدة ستصبح أسوأ من الحقب السابقة، وهو ما جري ويجري بعد العام 2000 إلا من ومضة تتعلق بالأحداث في سوريا ووقوف الروس موقفا صلبا في وجه الولايات المتحدة في المنظمة الدولية، وخاصة في قضايا الشرق الأوسط حين أصبحت المصالح الروسية مهددة ولو إستولت الولايات المتحدة عبر أعوانها علي  الحكم في سوريا لتعري ظهر روسيا تماما.

أما ما حدث من هيمنة الولايات المتحدة الحديدية في الفترة ما قبل العام 1991 وحتي العام 2016، حين غاب دور  الاتحاد السوفييتي سابقا وتفتته إلى 15 دولة مستقلة كانت روسيا إحداها  وهيمنة الولايات المتحدة علي غالبية هذه الدول، ومنها من إنضم لحلف شمال الأطلسي، وهذه النقلة النوعية أضعفت دول حلف وارسو وباقي الدول المناوئة للولابات المتحدة داخل المؤسسة الدولية، وهي الأمم المتحدة التي هي مركز عنوان مقالنا التي بها يتعلق موضوع الديمقراطية الدولية والتحولات والتغيرات التي طرأت عليها، بدءًا من حقبة حكم ميخائيل جورباتشوف وتلاه بوريس يلتسين وتفتت الاتحاد السوفيتي وإنتهاء الحرب الباردة.

علي الصعيد العربي الذي شهد تطورات دراماتيكية في بدايات العام 2000 كان لإنحراف الديمقراطية الدولية وتحولاتها داخل الأمم المتحدة وتغيير موازين القوى داخل هذه المؤسسة الدولية كانت لصالح أمريكا وإسرائيل، وأهمها صدور  قرارات جديدة تلغي قرارات سابقة للأمم المتحدة عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، مثلا بشأن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379، الذي اعتمد في 10 نوفمبر عام 1975 وبتصويت 72 دولة بنعم مقابل 35 بلا (وامتناع 32 عضوًا عن التصويت)، حين حدد القرار “أن الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”، وطالب القرار جميع دول العالم بمقاومة الأيديولجية الصهيونية التي حسب القرار تشكل خطرًا على الأمن والسلم العالميين. وكثيرًا ما كان يستشهد بهذا القرار في المناقشات المتعلقة بالصهيونية والعنصرية، والذي ألغي مبكرا مع انتهاء الحرب البارة وتفتت الاتحاد السوفييتي إلى 15 دولة أصبح معظمها يدور في فلك الولايات المتحدة وبموجب القرار 46/68 يوم 16 ديسمبر للعام 1991.

 هناك قرارات أخري اتخذت في مرحلة التحولات الدراماتيكية لميزان القوي داخل الأمم المتحدة لصالح الولايات المتحدة واسرائيل،  تتعلق بإحتلال العراق وتدمير قوته المتصاعدة من دول التحالف الغربي والولايات المتحدة، وكذلك ليبيا، وإسقاط النظام السياسي هناك، وإعدام الرئيس صدام حسين والرئيس معمر القذافي.

 هناك الحرب علي سوريا ودعم المعارضة والجماعات الإرهابية من قبل الغرب، والتي بعدها تحرك الروس، حيث أصبح اللعب في حديقته الخلفية علي وشك الاستباحة للولايات المتحدة وحلفائها، وتنبه الروس فوقفوا في وجه أمريكا وحلفائها لحماية سوريا من التقسيم، ومعها جمهورية مصر العربية بقيادة السيسي، وجمهورية الجزائر بقيادة بوتفليقة، وتراجع بعض العرب عن التورط في سوريا وتحملت دولة الإمارات تكاليف التحرك الروسي المالية، كما صرح سفير روسيا في دمشق مؤخرا، فعاد ميزان القوي في مجال الديمقراطية الدولية يستعيد جزءًا غاب عن الأمم المتحدة كانت فيه  الهيمنة لدول التحالف الغربي وأمريكا، وبذلك تعدلت إلي حد ما هذه “الديمقراطية الدولية” قليلا كما ظهر في التصويت الجارف لقبول فلسطين كعضو في الأمم المتحدة من كل دول مجلس الأمن، ولكن قوبل بالفيتو الأمريكي فأبطل القرار رغم القرارات غير القابلة التنفبذ في الجمعية العامة لصالح القضية والشعب الفلسطيني، وهكذا تتغير وتتحول العلاقات داخل الأمم المتحدة وديمقراطيتها الدولية حسب موازين القوي المتجددة في كل حقبة من الزمن، فهل نشهد تحولات دراماتيكية في هذا القرن أو العقود القادمة لصالح القضايا العربية، وعلي رأسها القضية الفلسطينية؟

 سؤال يحتاج دراسات لإستشراف المستقبل للديمقراطية الدولية من الخبراء والمختصين والدبلوماسيين العرب، وإستدراكا وتجديدا لما سلط الضوء عليه الراحل بطرس غالي.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
تويتر
فيسبوك