اليوم السبت 21 سبتمبر 2019م
الأخبارالكوفية

معضلة إدلب

18:18 - 11 سبتمبر - 2019
نبيل سالم
الكوفية:

على الرغم من أن الحكومة السورية استعادت السيطرة على معظم الأراضي التي كانت تقع تحت أيدي المعارضة، وتمكنت من طرد المجموعات المسلحة الإرهابية، إلى الشمال السوري، وتحديداً إلى محافظة إدلب، وأسقطت إلى حد ما، رهان تقسيم سوريا، الذي عملت عليه قوى إقليمية ودولية، على رأسها الولايات المتحدة و«إسرائيل»، فإن هذا الخطر ما يزال قائماً، في ظل ما يجري من خطوات أمريكية وتركية في شمال سوريا حالياً؛ ذلك أن الوجود التركي، مهما كان حجمه غربي الفرات، فإنه يسهم في ترسيخ التقسيم، حتى وإن لم يتم إعلانه رسمياً، لا سيما مع تأخر الحل في إدلب، وإصرار أنقرة على حماية المجموعات المسلحة، التي تسعى إلى استخدامها ورقة ضغط في أكثر من اتجاه.

كما أن الذرائع التي تسوقها تركيا لاستمرار حضورها العسكري غير الشرعي في الأراضي السورية، سيؤدي بكل تأكيد إلى عرقلة الجهود؛ الرامية إلى حل الأزمة، وإفشال أعمال اللجنة الدستورية، خاصة مع وجود قسم كبير من المعارضة تتشارك المواقف والآراء مع الرئيس رجب طيب أردوغان، المدعوم أمريكياً، على الرغم من كل ما يظهر على السطح، أو يراد له أن يظهر من خلافات بين واشنطن وأنقرة.

من يتابع الموقف في الشمال السوري بشكل عام، وإدلب بشكل خاص، يلاحظ بوضوح تشابك المصالح بين العديد من القوى الفاعلة على الأرض، وتضارب الأجندات السياسية لهذه القوى، التي تسعى إلى تحويل سوريا إلى مناطق نفوذ متعددة، ففي حين تسعى روسيا إلى تمكين الدولة السورية من السيطرة على كامل الأراضي السورية، وضمان استمرار المصالح الثنائية بينها وبين دمشق، تحاول واشنطن قدر استطاعتها وضع العصي في عجلات التسوية الخاصة بالأزمة السورية، والإبقاء على تواجدها العسكري؛ خدمة لأهدافها الاستراتيجية في المنطقة، التي تتفق تماماً والأهداف «الإسرائيلية»، النابعة من رغبة «إسرائيل» في إبقاء الجرح السوري مفتوحاً إلى أبعد مدة زمنية ممكنة، وعرقلة تعافي الدولة السورية.

أما تركيا التي تقف بين كل من واشنطن وروسيا؛ فإنها تحاول في الواقع استغلال الأزمة استغلالاً براجماتياً، يحقق مصالحها، ومن ضمنها المطامع القديمة بالأراضي السورية، القريبة من حدودها، لا سيما في شمال حلب ومنطقة إدلب؛ ولذلك نرى تلك الحركات البهلوانية التي تجعل أردوغان يقفز بين واشنطن وموسكو؛ للمحافظة على مصالحه معهما تارة، واستعمال ورقة اللاجئين «فزاعة» لأوروبا والغرب عامة تارة أخرى.

استطاع أردوغان كسب ود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خاصة خلال الزيارة التي قام بها مؤخراً إلى معرض الطائرات الروسي، وما أشيع عن مساعٍ لدى أردوغان لشراء طائرات «سوخوي 57» ومروحيات وطائرات خاصة، والعمل على زيادة حجم التبادل التجاري من 25 مليار دولار إلى 100 مليار، كما حمل اتصال أردوغان بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ ليبحث معه «زيادة حجم التبادل التجاري إلى مئة مليار دولار، والعمل المشترك؛ لمواجهة الجيش السوري ضد إدلب»، مؤشراً على رغبة أنقرة بالتذكير بعلاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، بعد تزايد الحديث عن تعاون الطرفين لإقامة منطقة عازلة شمالي سوريا، في ظل رفض رسمي سوري لمثل هذه الخطوات، واعتبار القوات التركية والأمريكية قوات احتلال.

لكن ما يجب التذكير به هنا، هو أن تركيا استطاعت تحت ذريعة محاربة تنظيم «داعش»، وتحجيم أي دور للأكراد، أن توسع رقعة نفوذها شمالي سوريا على نحو غير مسبوق، منذ أن أطلقت أنقرة عملية «درع الفرات» في أغسطس/آب 2016، ودخلت دباباتها للأراضي السورية لأول مرة.

اللافت في الأمر أن أنقرة تحاول أحياناً التذكير بوثائق عثمانية؛ لتبرير سيطرتها على أراضٍ سورية كمدينتي جرابلس ومنبج في محافظة حلب، والتذرع بوجود مقابر تعود لقادة عثمانيين في مناطق أخرى شمالي سوريا، لبسط نفوذها عليها، ما يعني أن لتركيا أهدافها التوسعية، وعلى الرغم من أنها غير معلنة، فإنها تبدو واضحة المعالم؛ وتتمثل في تحقيق الأطماع التركية في السيطرة على المزيد من الأراضي السورية، بذريعة مواجهة الجماعات الكردية المسلحة، التي تعدها أنقرة امتداداً ل«حزب العمال الكردستاني» المحظور في تركيا.

ولم يقتصر التدخل التركي في سوريا على قضم الأراضي؛ بل امتد ليشمل الكتب المدرسية، ولافتات الطرق والمؤسسات العامة، ومما تقدم نرى أن الأزمة في سوريا تواجه احتمالات كبيرة ليس باستمرارها فقط؛ بل واتساع نطاقها؛ نظراً لتضارب المصالح بين الأطراف الفاعلة على الساحة السورية، ما يعني أن عقدة إدلب التي نشاهدها الآن تعد تجسيداً حياً لهذه التناقضات التي تفتح الباب على كل الاحتمالات؛ بعد عرقلتها لتسوية الأزمة السياسية السورية.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
تويتر
فيسبوك