اليوم الاربعاء 16 أكتوبر 2019م
الأخبارالكوفية

«فلاش باك» في عقول الموتى

11:11 - 14 أغسطس - 2019
د. طلال الشريف
الكوفية:

لا أدري من أين أبدأ.. ولكنها الفكرة جالت بخاطري كما كل مقال أكتبه، فأضع عنوانا وأبدأ بالكتابة، لكن هذه الفكرة الغريبة التي تعنون مقالي هذا عندما تهيأت للكتابة فيها وجدتها شاسعة وتحتاج تغطية لكل مجالات الحياة في شريط ذاكرة أجيال وأجيال وأجيال.. فماذا تحمل ذاكرة الموتى؟.. وكيف هي صور حياة تلك الأجيال القديمة والأقدم فالأقدم؟.

كيف كانت الصورة في أذهان كل جيل ترتسم للطبيعة والناس واللباس والأدوات المستخدمة والبيوت أو أماكن المعيشة؟.. كيف كانوا يأكلون وكيف كانوا يشربون؟.. وكيف كانوا يسافرون؟.. وكيف كانوا يتعالجون؟.. وكيف كانوا يتزوجون؟.. وكيف كانت أحزانهم؟.. وكيف كانت أفراحهم؟.. وكيف كانوا يتخاصمون؟.. وكيف كانوا يتقاضون؟.. وكيف كانوا يتصالحون؟.. وكيف تكونت مفاهيمهم؟.. وكيف أثرت صور الحياة في حينهم في تكوين شخصياتهم؟.. وماذا رسخ في عقولهم وذاكراتهم؟.. وكيف تصرفوا بالصورة العامة لحياتهم التي بالتأكيد تختلف عن جيلنا وعن الأجيال السابقة واللاحقة؟.

هل كانت الصورة لديهم والتي يتعامل على أساسها المجتمع والمتواجدون فيه لتصبح ثقافة جماعة الناس في مكان ما في عصر ما؟.. وكذلك المشترك بين كل جماعات الناس في ذلك العصر لتكون التجربة باعثة على نحو من الصورة التي نتحدث عنها، والتي ارتسمت في ذهن  الإنسانية الإجمالية لذلك الزمن وذلك العصر.

كيف كانوا يعيشون قبل نزول الرسالات السماوية والأنبياء والرسل؟.. وكيف كانوا في العصور الأقدم يعيشون ويفكرون؟.. وكيف كانت صورة الدنيا بكل مجالاتها المتعددة في عقول هؤلاء الأقدمين؟.

تواصلت المخطوطات والكتابات والآثار، وحتى الأفلام في العصور الحديثة عما كانت عليه حياة السابقين، فرصدوا العادات والتقاليد والملابس ووسائل المواصلات ووسائل التواصل، لكن أحدا منهم لم يخبرنا عما رسخ في عقولهم؟.. وكيف كانت تنعكس صور الحياة على داخلهم وخيالهم وتكيفهم معها، فكان في صورهم الذهنية ما يختلف بالتأكيد عما هو منطبع في ذاكراتنا، فالمشاهد مختلفة والحياة مختلفة، وكيف كانوا منسجمين مع أيامهم أم كانوا في ضيق حال وفي وضيق أفق؟.. وكيف كانت تتبلور القيم والمقاييس للشجاعة والكرم والحب والبخل والجمال والفساد؟.. وكيف تدرجت مقاييس الأجسام كقوة قبل تمكن العقل من قيادتها؟.. وهل تغلب العقل على الجسد في مقاييس القوة؟.. وكيف ومتى حدث ذلك فحاربوا من أجل مفاهيم غير حقيقية  أو مغلوطة، فيفقد الناس حياتهم فالصو ليكتشفوا يعدها قيما تفسد ما كان مقدسا في قيم الأولين.

كثيرون كثيرون ماتوا قبل إختراع التليفون والتليفزيون والأجهزة الرقمية لعصرنا ، وكثيرون ماتوا قبل اختراع السيارة والطيارة والقطار وسفن الفضاء، وكثيرون ماتوا قبل المباني الخرسانية والمكاتب، وكثيرون ماتوا قبل صناعة الدواء والعقارات الحديثة وبناء العيادات والمستشفيات والمصانع والمدارس، هم عاصروا حروبا ومعارك وكوارث الطبيعة والبرد والحر الشديدين ، وهم أكلوا الخضروات والفواكه واللحوم والأسماك، ومنهم من شرب الماء ومنهم من شرب المخدرات والكحول، ومنهم من عاتى من الظلم ومنهم من كان فاسدا أو لصا حاكما أو محكوما قاضيا أو متهما بمقاييس اليوم.

الصورة وكيف كانت في ذهن أولئك الناس عن الناس كما هي الصورة التي ترتسم في ذهن ناس عصرنا.. بالطبع لا، لأن كل ماذكرناه وهو قليل من كثير من عناصر الحياة والبيئة هي مؤثرات حقيقية قي رسم شريط الحياة لكل إنسان قديم أو  حديث، بالضبط مثل الصورة التي في ذهن كل واحد منا ومصادر حياته ومأكله ومشربه وحركته واهتماماته.

نحن هنا لا نؤرخ لمرحلة ما من مراحل حياة الأجيال كما ترصدها بعض الأفلام والوثائق والآثار وكل ما عنى الماضي والحاضر، وليس هو تنبؤ بالمستقبل بل هي فكرة عما كانت تتشكل وتشكل شريط ذاكرة الإنسان في عصره، والأموات ماتوا وانتهت حياتهم ولم يعد حتى من أجسادهم أو عقولهم شيئا، ولكننا نود أن نفكر بفلاشباك هذه المراحل وكيف كانت الصورة ترسخ في عقولهم وحتما هم لم يروا ما نراه إلا صور الطبيعة التي امتدت إلينا كالزرع والبحر والجبال والصخور والرمال التي لا تتغير صورتها، ولكن أرى خيال في ذاكرة رجل قديم جدا بدون ملابس أو صورة ملابس قديمة تستر عوراتهم وسيوف تتدلى على أوساطهم ونعولا من كل العصور وخيل يركبونها وقربة ماء يشربون منها ونحاول أن نعرف كيف كانوا يتسامرون  وكيف كانوا يمارسون حبهم رغم أن البشرية تتوالد من هذا الحب كيفما مارسه الناس وأنجبوا فأحبوا أولادهم وتناكحو غريزيا أو شرعيا فحافظوا على إستمرار النسل والحياة.

لو استطعنا أن نظفر بعقل من آلاف السنين لنعرف ماذا كان فيه من صور وقيم ومقاييس لذلك العصر الذي عاشوه لنقارن ذلك بعقولنا وحياتنا وصورنا التي طبعتها عقولنا عن حاضرنا ولنعرف كم كان هؤلاء الأولين مسرورين في حياتهم أم كانوا محزونين  وهل كانوا يدركون ما ندرك ؟

“فلاش باك” في عقول الميتين رحلة جميلة للتصور والتخيل جربها بالتأكيد من هم قبلنا ونجربها نحن الآن وسيجربها من هم بعدنا، فهل سنجد أن الإنسان هو الانسان باحتياجاته واهتماماته وهل تتغير الظروف وتتغير الاحتياجات والاهتمامات أم أن إنسان اليوم مختلف تماما عن إنسان الأمس البعيد وسيكون مختلفا عن إنسان الغد الأبعد  إلا من غرائز تخلق مع كل جنين سيصبح رجلا أو أنثى في كل زمان ومكان، فلا تتغير تلك الغرائز وباقي الأشياء في تغير دائم.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
تويتر
فيسبوك