اليوم الاحد 25 أغسطس 2019م
الأخبارالكوفية

صواريخ القيصر وأحلام «السلطان»

16:16 - 19 يوليو - 2019
الياس حرفوش
الكوفية:

لم يحصل مثل هذا من قبل في علاقات الولايات المتحدة مع دولة عضو في «الحلف الأطلسي»، فالخلاف القائم اليوم بين إدارة دونالد ترمب وإدارة رجب طيب إردوغان بسبب حصول تركيا على صواريخ «إس 400» الروسية يؤسس لتحول عميق في التوجه السياسي والقرارات العسكرية التي كانت تحكم علاقات البلدين.

إلى أي حلف تنتمي تركيا حالياً؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه الأزمة الحالية بين واشنطن وأنقرة. سؤال أجابت عنه مراسلة «نيويورك تايمز» في إسطنبول عندما قالت: «إردوغان لا يقف مع أحد. إنه يقف مع نفسه». فمشكلة العلاقات التركية - الأميركية، والتركية - الغربية عموماً، تعود أساساً إلى التحوّل الذي يحدثه إردوغان في إدارة الشأن التركي، والذي يهدف إلى «صنع» تركيا جديدة، بحجم طموحات الرئيس التركي ونزعاته الشعبوية وموقفه الآيديولوجي، المعادي للدولة التركية الحديثة، بالشكل الذي قامت عليه بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. نحن إذن، كما تقول صحيفة «لوموند» الفرنسية، أمام «سلطان جديد» يعيد كتابة تاريخ تركيا، إلى جانب «قيصر جديد» يعمل على إحياء الأمجاد الروسية.

من بين الأسباب التي دفعت إلى تعزيز التقارب الروسي - التركي تبرز تطورات الأزمة السورية. وقوف البلدين على طرفي نقيض حيال هذه الأزمة سمح لكل منهما باستثمارها على طريقته. موسكو استخدمت النفوذ التركي على الإسلاميين من مقاتلي المعارضة لحماية الداخل الروسي من الهجمات. وأنقرة وجدت في العلاقات الطيبة بين بوتين والنظام السوري ما يوفّر لها إمكان قيام منطقة آمنة في الشمال السوري لخدمة أهدافها التي تتلخص في حماية مقاتلي المعارضة الهاربين من غارات النظام وبراميله المتفجرة، وفي ضمان موقع تجمع للنازحين يحول دون دخولهم الأراضي التركية. لهذا جاء الاتفاق الثنائي الروسي - التركي في سوتشي، وتفاهم آستانة (بمشاركة إيران) ليشكلا رديفاً للجهود الأميركية لحل الأزمة السورية.

استفاد بوتين أيضاً من مأزق وقعت فيه العلاقات التركية - الأميركية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي اتهم إردوغان إدارة الرئيس باراك أوباما بعدم محاولة منعها، نظراً إلى أن «راعي» هذه المحاولة، المعارض التركي فتح الله غولن، يقيم في الولايات المتحدة، التي رفضت في ظل إدارتي أوباما وترمب تسليمه إلى تركيا. كان بوتين أول المبادرين إلى الاتصال بإردوغان لتهنئته بفشل المحاولة، فيما انتظرت واشنطن أياماً ثلاثة لإجراء اتصال بالرئيس التركي، وهو الاتصال الذي لم يأتِ من أوباما، بل من وزير خارجيته جون كيري. لم ينسَ إردوغان، المصاب بتضخم الذات، هذا الفارق في التعامل معه، وهو الذي يعتبر «انتصاره» على الانقلابيين بمثابة «استقلال جديد» لتركيا. ومن الصدف المحسوبة جيداً أن صفقة الصواريخ الروسية تأتي في الذكرى الثالثة لذلك الانقلاب.

من هنا، فصفقة الصواريخ الروسية هي في الظاهر صفقة عسكرية، يقول الأتراك إنهم يحتاجون إليها لتعزيز قدراتهم الدفاعية، دفعوا ثمنها مليارين ونصف مليار من الدولارات، ويزعمون أنها لا تشكل خطراً على أمن أميركا أو على مصالحها. لكن واشنطن ترى أنها تمثل تحولاً سياسياً يفوق الحاجات العسكرية التركية، التي يُفترض أن تؤمنها الحماية الأطلسية، خصوصاً أن الفصل الخامس من ميثاق الحلف يُلزم دوله مجتمعة بالدفاع عن أي من أعضائه إذا تعرض لهجوم، وهو ما يعني أن حماية تركيا يجب أن تكون حماية أطلسية، وليست بواسطة الصواريخ الروسية.

الردّ الأميركي المباشر على القرار التركي كان وقف تزويد تركيا بطائرات «إف 35»، بسبب تخوف وزارة الدفاع الأميركية من أن تتمكن أجهزة الرادار العاملة على الصواريخ الروسية من اختراق الأسرار التكنولوجية للطائرات الأميركية. فيما يرد الأتراك بأن هذه الصواريخ ليست منظومة هجومية، وستكون تحت سيطرة تركيا، ولن تشكل خطراً على أنظمة الحلف الأطلسي أو على المقاتلات الأميركية. واعتبرت وزارة الخارجية التركية، في ردّها على القرار الأميركي، أنه قرار خاطئ سيؤدي إلى ضرر لا يمكن إصلاحه في العلاقات الاستراتيجية للبلدين.

الاتجاه الآخر الذي تسلكه الإجراءات الأميركية ضد تركيا يتمثل في تنفيذ بنود قانون معاقبة أعداء أميركا (المعروف باسم «كاتسا»). كما تدرس وزارة الدفاع الأميركية إعادة النظر في عملياتها التي تنطلق من قاعدة إنجرليك التركية.

ومع صعوبة فصل تركيا أو تجميد عضويتها في الحلف الأطلسي، هناك عقوبات أخرى يمكن لواشنطن أن تتخذها، تتمثل في وقف التعامل مع المؤسسات المالية التركية، ووقف منح تأشيرات لمسؤولين أتراك، وتجميد حساباتهم في المصارف الأميركية. ومن الطبيعي أن تعمّق هذه العقوبات الأزمة التي يعانيها الاقتصاد التركي حالياً.

عناصر كثيرة أدت إلى قرار إردوغان الحصول على صواريخ «إس 400»، وهي عناصر تتجاوز المسألة العسكرية. أول هذه العناصر يتمثل بشخصية إردوغان، وبشعور العظمة الذي يطغى عليه ويدفعه إلى التصرف كدولة عظمى قادرة على اتخاذ القرارات السيادية وتنويع التحالفات الدولية، بصرف النظر عن العواقب، ومن دون مراعاة الالتزامات التي تفرضها عضوية الحلف الأطلسي. ويدفع هذا التصرف إلى تناقض في المواقف، فمن جهة، يؤكد إردوغان حرصه على العلاقات مع واشنطن وعلى عضوية تركيا في الحلف، ومن جهة أخرى يسير في سياسات تخالف هذه الالتزامات، وتهدد مصالح أميركا ومصالح الدول الغربية، كما تهدد مصالح تركيا نفسها.

ويعود هذا التخبُّط إلى الشعبوية التي تميز سياسات إردوغان، والتي يستخدمها لتحسين وضعه السياسي ومقاومة الضغوط من قبل رفاقه القدامى في حزب «العدالة والتنمية»، كما من جانب معارضيه.

الشرق الأوسط اللندنية

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
تويتر
فيسبوك