اليوم الاثنين 16 سبتمبر 2019م
الأخبارالكوفية

أخطر من الأسلحة النووية

14:14 - 17 يونيو - 2019
د. مصطفى جودة
الكوفية:

فى الحرب التجارية الضارية بين أمريكا والصين التى يشهدها العالم منذ شهور، بدأ يتكشف للجميع بعض من الأسرار التكنولوجية الخفية الخطيرة التى قد تفوق فى خطورتها الأسلحة النووية من حيث التأثير وقوة الردع. آخر هذه الحروب فى مجال المواد المتقدمة المنتجة من العناصرالأرضية النادرة (رير أيرث ميتالز)، والتى لا غنى عنها لتكنولوجيا القرن الحادى والعشرين، والتى تحتكر إنتاجها الصين.

ورغم كثرة نسبة تلك العناصر فى تركيب القشرة الأرضية، إلا أنها سميت بالعناصرالنادرة لصعوبة استخراجها، ولعدم وجودها بتركيز كبير فى تركيب الخامات الحاوية لها، ولوجودها مختلطة مع بعضها، وكذلك لوجود شوائب من اليورانيوم والثوريوم معها مما يجعل عملية الفصل بينها فى غاية الصعوبة.

يرجع سبب تسميتها بالعناصر النادرة الى أنها عندما أكتشفت كانت ضمن خامات نادرة على هيئة أكاسيد أو إيرسيثز، فسميت ريرأيرث ميتالز، أو معادن الأرض النادرة.

المشكلة فى أن الاستفادة منها تتطلب تكنولوجيا متقدمة لاستخراجها وفصلها ولإنتاج مركباتها مثل أكاسيدها المطلوبة صناعيا، والتى عادة تسبب فى تصنيعها تلوثا كبيرا للبيئة لم تتحمله أمريكا التى كانت الرائدة فى صناعات تلك العناصر قبل الصين فى الفترة من 1960- 1980.

كانت أمريكا تنتج معظم المطلوب عالميا من منتجاتها، حيث كانت عمليات الإنتاج تتم فى مناجم تلك العناصر فى جبال ولاية كاليفورنيا، غير أنه فى عام 1998 تم وقف الإنتاج فى تلك المناجم نتيجة ضغط منظمات الحفاظ على البيئة، وتم الإلغاء التام عقبها عام 2002 لعمليات تلك المناجم عندما أكتشف أن ذلك الإنتاج كان مصدر تسمم مصادر مياه الشرب والتلوث البيئى بتلك المناطق. لم تكن حينها الاحتياجات ملحة مثلما هى عليه الآن نتيجة التطور فى الصناعات والتكنولوجيات التى ظهرت فى السنوات الأخيرة، والتى تمثل تلك العناصر فيها جزءا أساسيا.حاليا تنتج الصين 70% من الإنتاج العالمى لتلك العناصر من حيث الخامات، وتنتج أكثرمن 95% من الكميات المصنعة مما يجعلها محتكرة للسوق العالمية احتكارا شبه كامل، ولو أن الصين قررت تحت وطأة الحرب التى يشنها عليها الرئيس ترامب، منع تصدير منتجات تلك العناصر وخصوصا المصنعة، لأرجعت التكنولوجيا المتقدمة التى حققتها البشرية عقودا وعصورا الى الوراء.يوجد 17 عنصرا فى الجدول الدورى، يطلق عليهم: عناصر الأرض النادرة.أحيانا يطلق على تلك العناصر: فيتامينات الكيمياء، لأن إضافة القليل من واحد منها هو السيريم مثلا وجرعة صغيرة من آخر هو النيودميم تجعل شاشة التليفزيون أكثر لمعانا، وإضافات أخرى تطيل عمر البطاربات وتقوى المغناطيسات.

حسب المتاح من المعلومات حاليا، توجد غالبية خامات تلك العناصر حاليا فى الصين والبرازيل وكندا وأستراليا والهند والولايات المتحدة الأمريكية وماليزيا. قد تكون مصر واحدة من الدول التى تملك الكثير من خامات تلك العناصر فى مناجم الصحراء الغربية الحاوية للفوسفات والكربونات والجرانيت. ربما يتعين على وزارة الصناعة إجراء المزيد من إجراء الدراسات الجيولوجية فى ضوء تلك المتغيرات، وفى ضوء علاقات الشراكة مع الصين، وفى أن تكون مصر شريكا قويا فى ذلك المجال، وأن تكون مصر منتجة وليس مجرد مصدر لخامات تلك المواد، وخصوصا أن الاحتياج العالمى لتلك المواد يتزايد زيادة مطردة. بين عشية وضحاها فى غمار الحرب التجارية الدائرة رحاها بين أمريكا والصين، بدأ العالم إدراك أهمية تلك العناصر، وبدأ إدراك أهميتها واستخدامات منتجاتها فى أكثر من 200 تطبيق صناعى فى السيارات الكهربية والطاقة المتجددة فى تحسين كفاءة تربينات الرياح وكاميرات التليفونات الذكية والصواريخ والمغناطيسات المتقدمة المستخدمة فى تصنيع الميكروفونات والسماعات ومواد العوامل المساعدة التى ستخدمها آلات الاحتراق الداخلى للسيارات لتقليل العادم وانبعاث الغازات للحد من التلوث السبائك المتقدمة وصناعة الزجاج والصناعات الإلكترونية والمنتجات المطلوبة للتكرير فى الصناعات البترولية وإنتاج خلايا الوقود وإنتاج البطاريات المتقدمة وكثير من الأجهزة الطبية مثل أجهزة الجراحة والأدوية المستخدمة فى علاج السرطان وإلتهابات المفاصل وشاشات التليفزيون والكمبيوتر وصناعة الأسمدة وتنقية المياه وعدسات التليسكوبات والآلات الحرارية المستخدمة فى الطائرات والليزر والرادار وأجهزة الرؤية الليلية، وكثير من الأسلحة المتقدمة. ولو أن الصين قررت حظر تصدير منتجات تلك العناصر لأمريكا وبقية دول العالم لأحدثت زلزالا خطيرا قد يجبر الولايات المتحدة الى الاعتراف بالهزيمة فى تلك الحرب التجارية التى بدأها الرئيس ترامب، ظنا منه أنه سيفوز بها بسهولة.

فى عامى 2010- 2011، قررت الصين منع تصدير تلك العناصر مما أدى الى ظهور العديد من الشركات العالمية العاملة فى مجال استخلاص وإنتاج المننتجات اللازمة للتطبيقات الصناعية حول العالم فى محاولة لخلق البديل للمنتجات الصينية، غير أن غالبية هذه الشركات اندثرت وفشلت عندما انخفضت أسعار تلك المواد، وفى عام 2015عندما ألغت الصين الجمارك المفروضة على تلك المنتجات، حدث هبوط ثان كبير فى أسعارها مما أسهم فى اندثار البقية الباقية من تلك الشركات المنافسة. يبدو أن الصين كانت تنظر وتنتظر حروب الجمارك تلك، ففعلت ما يفعله المحتكرون دائما مع المنافسين للقضاء عليهم وللتحكم فى الأسعار.

بإلقاء نظرة على آخر أسعار خامات تلك المواد ومنتجاتها المستخدمة، يمكن استنتاج أن الاستثمار فى مجالها مغر ومبشر وضرورى فى حالة وجود خاماتها مثلما هو الحال فى مصر، وأن الأمر يحتاج دراسة إستراتيجية ودراسة جدوى لضرورة البدء الفورى فيه. إضافة الى ذلك فإن مستقبل تلك الصناعة أكثر من واعد.

بتاريخ 31 مايو 2019 كانت الأسعار كالآتى لبعض منتجاتها: متوسط سعر الطن المترى من أكسيد الهولميم 395 ألف دولار ومتوسط سعر الطن المترى من أكسيد البراسيأوديم 375ألف دولار ومتوسط سعر الطن المترى من أكسيد نيوأوديمم 340 ألف دولار ومتوسط سعر الطن المترى لأكسيد الجادولينيوم 205 ألف دولار ومتوسط سعر الكيلوجرام من اكسيد التربيوم 3625 دولارا (أى سعر الطن المترى ثلاثة ملايين وستمائة وخمسة وعشرين ألف دولار.

إذن فإن هذه المواد ربما تكون أكثر أهمية اقتصادية من الذهب والفضة، و يجب ألا يفوتنا قطار إنتاجها.

الأهرام المصرية

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
تويتر
فيسبوك