اليوم الجمعة 20 سبتمبر 2019م
الأخبارالكوفية

تواصل اجتماعي أم نفاق اجتماعي؟

12:12 - 24 مايو - 2019
شمس شناعة
الكوفية:

غريب أمر مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام، وسر الغرابة ينبع في أن مارك ركزبيرغ قد ساوى كلياً بين مواطنيه في دولة فيس بوك، وبالتالي لا يتوفر بعض مستخدميه على ما يتوفر على ما يتوفرون عليه في حياتهم اليومية، ومن هنا يبدو التناقض بين ما يمكن أن يطرحوه من شعارات وبين ما هو قائم بالفعل في مسارهم اليومي، وبالتالي يصعب علينا أحياناً أن نتأكد أن ذات الشخصية الفيسبوكية هي التي نعرفها في واقعنا اليومي وحياتنا المعاشة، حيث تبدو هذه الشخصيات أقرب إلى المثالية وبناء النموذج، بادعاء القداسة والطهارة ونظافة اليد واللسان، بينما يشير الواقع إلى صورة ربما كانت مغايرة تماماً لأناس مجبولين على الانتهازية والنفعية والمصلحية وحب الأنا والنرجسية والغرور الذي لا حد له.

بصعوبة بالغة يُخرج "القديس" يديه من تحت معطفه، ويشير إلى خادمه البسيط إشارة يفهم منها المسكين أن عليه وضع المزيد من الأخشاب في المدفأة، بينما تضغط أصابعه "المخملية" على أزرار جهاز "الريموت كونترول" الذي يتحكم في درجة حرارة الصالون "الأرستقراطي"، ثم يتطلع نحو "موقد الفحم" الذي امتلأت ساحته بثمرات "الكستناء" أو "الذرة" أو غير ذلك مما يروق للمولعين بالشتاء أن يصنعوا وقت المنخفضات، وبعدها يمسك جهازه الخلوي "الحديث والمرتفع الثمن والجيد الصنع ذو العلامة التجارية التي تحمل تفاحة قُضم أعلاها"، ويسمي باسم الله ويذهب مباشرة إلى حيث ينبغي عليه أن يكتب، وينشر للقوم ما نصه "أعان الله من لا يجدون في هذا المساء مأوى يقيهم برودة هذا الطقس الذي لا يُحتمل"، وسرعان ما يذهب بعضنا إلى الهتاف باسم القديس الذي يتذكر البسطاء في هذه اللحظات العصيبة، ألم أقل لكم إن حال مواقع التواصل الاجتماعي يدعو للاستغراب والدهشة والعجب في هذه الأيام.

مواقف مبتذلة كثيرة تواجهنا كلما لاح في الأفق مشهد مناخي مغاير لتقليدية الأشياء، فموجة حرٍ شديدة في الصيف أو منخفض جوي عميق في الشتاء كفيل بأن يُخرج "القديسين" عن صمتهم، وتبدأ مواعظهم التي ينتظرها الملايين من المحبين، ليخبرونا أنه يتوجب علينا أن نقف بجوار أخوتنا وأهلنا، وأن ننتصر لعذاباتهم بالدعاء والتضامن والمؤازرة، والغريب أن جماعات "المؤمنين" في كل مكان سرعان ما تستجيب للموعظة وتبدأ بترديد كلمة "آمين".

تحسس عذابات الناس لا يحتاج إلى موعظة، فقط علينا أن نغادر أبراجنا العاجية يوماً، ونذهب مباشرة، بصحبة أبنائنا وأصدقائنا ومحبينا، إلى بيوت هؤلاء الذين نحس وجعهم، نواسي بالكلمة وبالأغطية وبالملابس الشتوية الثقيلة وبالأطعمة التي تعين على تحمل صعوبة الطقس، وبمواد التدفئة التي تتيح للأطفال نوماً بلا كوابيس، وبما تيسر من مالٍ كي يتمكنوا من النهوض بأعباء الحياة التي تثقل كاهلهم، أما أن نخرج عليهم "نفاقاً وزيفاً وبهتاناً" لنلقي المواعظ والأدعية، ونشجب ونستنكر، فهؤلاء ليسوا بحاجة إلى دعائنا، بل هم بحاجة ماسة إلى مناصرتنا لهم وتمكينهم من الوقوف في وجه المطبات الصعبة والعصية على التجاوز، وقديماً قالوا "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، لكنهم قالوا لنا أيضاً "لا يشتكي الجرح إلا من به ألم"، من هنا فقط يمكننا أن نميز بين تواصلٍ اجتماعي ونفاقٍ اجتماعي تزكّم رائحته الأنوف.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
تويتر
فيسبوك