اليوم الجمعة 20 سبتمبر 2019م
الأخبارالكوفية

مآلات ما يجري تحت نظر السلطة

17:17 - 18 مايو - 2019
عدلي صادق
الكوفية:

في الثامن من مارس الماضي، عرضنا على هذه الشاشة وفي هذا البرنامج، وجهة نظر الوطنيين المتعلقة بدلالات تنامي ظاهرة العملاء السافرين، تحت سمع وبصر السلطة الفلسطينية في الضفة، وحذرنا من تفاقم هذه الظاهرة الخيانية المخزية، التي يتقدمها بكل وقاحة أشرف روبين الجعبري، ويساندة أخرون من الحثالات الملتحية في إهاب وجهاء أو قصاصي أثر. غير أن جبن الأجهزة الأمنية العباسية المتغولة على الشعب في الضفة، وعدم إحساس عباس بالاستفزاز من تنامي هكذا ظاهرة،  إن لم يكن يعدها إنجازاً لسياساته، مع جبن النُخب الفلسطينية أسيرة رواتبها وموازناتها؛ قد أفسح هذا كله المجال لاستمرار الظاهرة وتوسعها، على أن يأتي بعدئذٍ، أحد منتحلي المعرفة بالتاريخ، لكي يتهم شعبنا بالتواطؤ مع العدو، بدلالة فقاقيع الخيانة وبجريرة انخراس السلطة، فيتحول الإفتراء على الشعب الفلسطيني الباسل، شعب الشهداء والمقاومين، من الإدعاء بأنه قد باع أرضه، الى أن شعب فلسطين قد باع نفسه!

في سياق تغاضي سلطة عباس عن ظاهرة العملاء، وفي موازاة ملاحقتها الدؤوبة لمن يفكرون في المقاومة أو يمتلكون سلاحاً حتى للدفاع عن النفس؛ ظهرت حكاية جديدة في أريحا والأغوار، إذ نشأت آلية حوار واجتماعات منتظمة، بين تجار فلسطينيين وضباط الإرتباط العسكري الإحتلالي. وربما يكون التجار، قد أسسوا حزباً أو رابطة، على طريقة أشرف روبين الجعبري، الذي يقدم نفسه باسم الأمين العام لــ "حزب الإصلاح والتنمية" وجعل قاعدة تفاهماته الإسرائيلية مع المستوطنين الأشد عنصرية وتطرفاً!

أمامنا الصورة واضحة الآن، فمن يريد إصلاح "فتح" والنهوض بها، يُقطع راتبه ويلاحق في الضفة، أما من يريدون تنقية المناخ الإستيطاني و"إصلاح" نفوس الفلسطينيين لكي يتقبلونه ويتعاونون معه وينبذون قضيتهم وطموحات شعبهم، فإنهم المصونون المطمئنون الذين يشتغلون براحتهم!

من خلال القراءة السياسية لهذه الظاهرة؛ نعلم أن رزايا السلطة واختزالها في شخص رجل كهل مسكون بكل أنواع الكيديات وبإحساس عميق أن المجتمع ليس مجتمعه، فضلاً عن خواء الأطر وجُبن النخب السياسية، سمح كله بتنامي مثل هذه الشحنات السالبة التي رأت الإحتلال، بجيشه ومستوطنيه،  شحنة موجبة يتوجب الدوران حولها والالتزام بإحداثياتها.  ففي هذه الساعات، ليس هناك من يجرؤ على التصدي سوى الشبان عبر وسائل التواصل، أو بيانات تصدرها عائلات لرفع العتب عن سائر العائلة. لكن ما يجري يقع في إطار مشروع تفتيت مخابراتي، يستهدف السلطة والمعارضة والمقاومة والقضية.  فمن طبائع الشحنات السالبة، أنها لا تجتمع، وأن لكل واحدة مصالحها وموالها المناطقي والفئوي، وأن السياق ملعوب وهدفه أن تتفتت ولاءات المجتمع الفلسطيني، الى وحدات ولاءات صغرى، انتهازية وعفنة ومصلحية ومناطقية، أسوأ من الوحدات في إطار مشروع روابط القرى. والهدف العام هو تبديد الوحدة الوجدانية للشعب الفلسطيني، وسيكون هذا مسرباً مضافاً الى مسارب عديدة  للتفتيت، من بينها مسرب الإنقسام والخصومة، الذي يتولاه الحمساويون والعباسيون. فهذا وحده، يتكفل بأن يصنع الفجوة النفسية، بين مليون فلسطيني في الوطن، يتعاطف مع أحد الطرفين ويرى ما يراه، ومليون فلسطيني آخر، يتعاطف مع الطرف الآخر، ويرى ما يراه، لتكون المحصلة نفوراً بحجم مليونين!

وفي خضم هذا المشهد، سيرى أشرف روبين الجعبري نفسه، وسيراه كبير شرعية زماننا الرديىء، محض ظاهرة جزئية تتوخى مصالح محلية للعمال والمزارعين، وسيقول إن الأجدر بمن يعارضون عمالته وتفاهماته مع المستوطنين، أن يصلحوا عرباتهم وأن يتفاهموا فيما بينهم. كذلك التجار الذين يؤسسون آلية اتصال مع ضباط الإرتباط، سيرون أنفسهم أذكياء ويعرفون مصالحهم. ولأن البلاءات تجر البلاءات، فإنهم سيعتبرون أنفسهم محقين في الإلتفاف على هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية بذريعة اعتصارهم وما يتحدثون عنه ويتعلق برُشى وعمولات تطلب منهم لتسهيل معاملاتهم، وقولهم إن رموز هيئة التنسيق اغتنت بمال حرام من دم وعرق المواطن الفلسطيني في نهايات لعبة السوق!

على الرغم من ذلك كله، لا يزال عباس يرى الخطر فيمن يطالبون بوحدة فتح ونهوضها على أسس ديموقراطية، كما يراه في المقاومين، أو ــ كما رآه في بعض إحدى عبقرياته اللفظية ــ خطراً في المدارس الفلسطينية، فقال إنه يفتش حقائب التلامذة فيها لــ "تشليحهم" السكاكين. وأمام هكذا منطق، سيكون في وسع العميل الوقح، أشرف روبين الجعبري، أن يقول في كلمته للمستوطنين في إفطار الخيانة: نحن فئة مستنيرة نثق بتلامذة منطقتا وبأولياء الأمور وبالأسرة والمعلمين، ونشجب محاولات تشويههم والإدعاء بأنهم يساعدون ويتغاضون عن دس السكاكين في الحقائب المدرسية!

أخيراً، ولكي تكون الأمور واضحة، نقول للهيئات الفتحاوية الموصولة بعباس، إن أية ظاهرة خيانية تنشأ، وتكون ذات منحى خطير على السلطة نفسها قبل سواها؛ تتطلب بياناً مركزياً، وليس بياناً ممهوراً بخاتم إقليم أريحا والأغوار. إما ذلك أو سيكون المتنافخون عبر شاشات التلفزة جبناء وخائفون من سحب بطاقات الشخصيات.

على صعيد آخر، نقول لحركة حماس، إن إحساسها بالقوة الاقتدار الانتخابي في منطقة الخليل، سيصبح محض ظاهرة موصولة بحقائب العمادي، ما لم تتصد بشجاعة، ولو بالعمل الإجتماعي المؤثر،  لظاهرة العملاء!

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
تويتر
فيسبوك