اليوم الاحد 24 مارس 2019م
الأخبار الفلسطينيةالكوفية

انتهاج القسوة.. لماذا شبه زوكربيرغ نفسه بإمبراطور روماني؟

11:11 - 12 يناير - 2019
الكوفية:

ترجمة// سارة المصري:*

ليس مارك زوكربيرغ أول شخص في تاريخ البشرية يستمد إلهامه من أغسطس قيصر، مؤسس الإمبراطورية الرومانية، ولكنه واحد من القلائل الذين تشكل لهم دروس فترة حكم أوغسطس أهمية ملحة. فعلى كل حال شيد الرجلان إمبراطوريات عالمية قبل بلوغ سن الثالثة والثلاثين. وأوضح زوكربيرج لمراسل صحيفة نيويوركر في وقت سابق من هذا العام قائلا "ببساطة أسس أغسطس، باتباع نهج قاسٍ للغاية، لـ 200 عامًا من السلام العالمي".  و"ما هي التنازلات التي قدمت في سبيل تحقيق ذلك؟" أوضح زوكربيرج أن أغسطس "كان عليه أن يفعل أشياء معينة" لضمان استقرار إمبراطوريته. وكذلك -على ما يبدو- يفعل فيسبوك".

كشف تقرير من 6000 كلمة نشر في صحيفة نيويورك تايمز الأسبوع الماضي تفصيليا عن الحد الذي بلغه فيسبوك لحماية هيمنته ومهاجمة منتقديه. وبينما تتسع العديد من الأزمات المتداخلة بشأن خطابات الكراهية والمعلومات الخاطئة وخصوصية البيانات، تجاهل كبار المسؤولين التنفيذيين الدليل على أن المنصة قد أصبحت ناقلة لحملة تضليل من قبل المتصيدين الروس المدعومين من الحكومة (وبعد ذلك أبقوه سرا). شنت الشركة حملة ضغط عدوانية مروعة وصادمة، شملت إنشاء وتعميم مدونات مؤيدة للفيسبوك لا يمكن تمييزها وظيفيا عن "المحتوى الزائف المنسق" (أي الأخبار الكاذبة) التي تعهد فيسبوك بإزالتها من منصته. وفي أحد الأمثلة الصارخة، استأجرت الشركة شركة استشارية سياسية نشرت نظرية مؤامرة تتهم جورج سوروس[1] بتمويل احتجاجات مناهضة لفيسبوك. يبدو أن زوكربيرغ قد اتخذ "منهجًا قاسًيا جدًا" للتأسيس للهيمنة الرقمية.  

كان أغسطس، على الأقل، زعيمًا بكاريزما عالية وحاكمًا واثقًا. ولا أحد في فيسبوك يقترب في تقرير التايمز لكونه صاحب رؤية جريئة بالمثل. لا جويل كابلان[2]، الذي شجع الشركة على قمع وحجب نتائج حملات التأثير الروسية خوفا من عزل الجمهوريين. ولا تشاك شومر[3]، الذي واجه أحد كبار منتقدي فيسبوك في مجلس الشيوخ وأخبره أن يتعايش مع الأمر. (تعمل ابنة شومر لصالح فيسبوك.) ولا شيريل ساندبرغ[4]، رئيسة العمليات التي تتزعم  الرد على الشبهات والعداء في هذه الأزمة برمتها. وبالتأكيد ليس زوكربيرغ، الذي يبدو أنه كان غائباً تماما- أو غير مهتم بشكل واضح - خلال الاجتماعات الرئيسية حول تعامل فيسبوك مع خطاب الكراهية والمعلومات الخاطئة. من الصعب أن يكون المرء  صاحب رؤية يشتهر بدوره في تحقيق الاستقرار باتخاذ قرارات  أخلاقية معقدة إذا لم يكن  يمكن حتى إزعاجه ليظهر في اجتماعات لاتخاذ تلك القرارات  الأخلاقية المعقدة.

ازدادت المطالب التي تدعو الرئيس التنفيذي بالتنازل عن العرش، أو على الأقل التنحي عن دوره كرئيس لمجلس الإدارة، لكن زوكربيرغ -الذي يتحكم في 60 في المئة من أسهم التصويت في فيسبوك- ليس على استعداد للاستقالة. وكما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، فقد أخبر مديري الشركة في وقت سابق من هذا العام أن فيسبوك في حالة حرب. حرب ربما يكون قد خسرها بالفعل. حيث يعاني فيسبوك من ركود في النمو، وانخفاض معنويات الموظفين وتراجع الأسهم والغضب العام، وعداء الحزبين في الحكومة الأمريكية. إن "فيسبوك" القديم - الشركة التي كانت دائمة التوسع والتي تتجاهل الحكومة وتغزو العالم منذ عام أو عامين- قد انتهت.

واستطلاعات الرأي الداخلية الخاصة خير دليل: لقد كان فيسبوك في يوم من الأيام أسطورة في تفاني الموظفين فيه -فمثلا كانت الكتابة عن الشركة شبه مستحيلة لأن العاملين فيها كانوا يرفضون التسريب- ولكن  ثقة الموظفين في مستقبل فيسبوك قد انخفضت، كما تبين من خلال استطلاعات الرأي الداخلية التي نشرتها المجلة بنسبة 32 في المائة خلال العام الماضي، لينحدر مؤشر الثقة إلى 52 في المئة. ويعتقد نفس العدد من موظفي فيسبوك أن الشركة تجعل العالم مكانًا أفضل، بانخفاض 19  في المائة عن  العام الماضي، ويقول الموظفون إنهم يخططون لترك فيسبوك سعيا لوظائف جديدة  في وقت أقرب عما قالوه في الماضي. من المخيف حتى بالنسبة لـفيسبوك احتمالية أنها- كما تشير الأدلة المتناقلة- لم تعد  شركة يسعى أفضل خريجو علوم الكمبيوتر والهندسة للانضمام لها.

هناك أدلة كثيرة بالفعل على أن فيسبوك يفقد قبضته على المستخدمين. ففي الأسواق التي تزداد أرباح موقع فيسبوك فيها، فقاعدة المستخدمين إما أنها راكدة، كما هو الحال في أمريكا الشمالية، أو أنها تتقلص بالفعل، كما هو الحال في أوروبا. وقد تكون الشركة قادرة على طمأنة نفسها بأن انستغرام -الذي تملكه بالكامل- لا يزال يتوسع بشكل مذهل، ولكن نجاح انستغرام لم يمنع  من هبوط أسهم فيسبوك كنوع من العقاب الاجتماعي للشركة.

 لا يلقي "فيسبوك" اللوم في تراجع أرقام المستخدمين الأوروبيين على تعثر صورته العامة، بل على قانون الخصوصية العدواني الجديد للاتحاد الأوروبي، GDPR. لكن هذا الأمر يثير احتمالية مزعجة لفيسبوك؛ وهي أن نجاحه المستمر يعتمد على لمسة تنظيمية ناعمة لم يعد بإمكانه أن يتوقعها من الحكومات. وما يجعل اكتشافات التايمز خطرة للغاية وخصيصا على إمبراطورية زوكربيرغ هو أنها تأتي في لحظة يوجد فيها بالفعل إرادة سياسية لتحدي هيمنته. وقد لا يكون سقوط فيسبوك إثر تراجع طويل وإنما من خلال أمور خارجية؛ كفرض غرامات كبيرة وتحقيقات باهظة الثمن، أو معاقبته وإضعافه من قبل نظام رقابي جديد. "لا يمكن الوثوق بفيسبوك في تنظيم نفسها"، هكذا غرد ديفيد سيسيلين[5]، ممثل رود آيلند في الكونغرس، الذي سيدير على الأرجح اللجنة الفرعية للقضاء في قضايا مكافحة الاحتكار، الأسبوع الماضي.

 أما في مجلس الشيوخ، فإن الشكوك المتعلقة بعمالقة التكنولوجيا تزداد بين أعضاء الحزبين، ويبدو أن هناك مجالاً لوجود اتفاق بشأن حماية البيانات وخصوصية المستخدم. قال السيناتور الجمهوري جون كينيدي في وقت سابق من هذا العام "أنا لا أتطلع إلى فرض تنظيمات شديدة تدمر زوكربيرغ، لكن يمكنني أن أقول لكم هذا: إن القضية لن تختفي". وصحيح أن بعض النقاد الجمهوريين يبدون أقل اهتماما  بقوة فيسبوك الساحقة مقارنة باهتمامهم بمزاعم المحافظين المفبركة بأن آرائهم مقموعة على المنصة، ولكن هناك مصلحة حقيقية جمهورية في كبح جماح فيسبوك. والعمل ضد شركات التكنولوجيا الكبرى هو موضوع مفضل لدى ستيف بانون[6] وجناحه من الحزب الجمهوري، وترمب نفسه - بالطبع - لا يكن أي عاطفة تجاه فيسبوك.

في الواقع، قد تمثل وزارة العدل لدى ترمب أكبر تهديد لـ فيسبوك. فرئيس قسم مكافحة الاحتكار، مكان ديراهيم،  يتغنى بدعوى الاحتكار الشهيرة المرفوعة ضد مايكروسوفت. وكما يقول تيم وو-مستشار سابق في لجنة التجارة الفيدرالية ومؤلف كتاب "لعنة الفخامة: مكافحة الاحتكار في العصر المطلي بالذهب" - "من يتزعم قضية تفكيك فيسبوك سينال دعم الرياح السياسية والجمهور". ويدعم استطلاع  موقع Axios هذا التقييم؛ حيث عكس الأمريكيون آرائهم حول وسائل التواصل الاجتماعية خلال العام الماضي، وتعتقد أغلبية من الأميركيين عبر الطيف السياسي الآن أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤذي الديمقراطية وأن الحكومة لا تقوم بما يكفي لتنظيمها.

إن الغضب الشعبي هو ما يجب أن يثير قلق فيسبوك. فقد تمكنت شركات التكنولوجيا العملاقة الأخرى من الإفلات من الاستياء الذي يواجهه فيسبوك لأن لديها خدمات مفيدة وواضحة. فمثلا، يقدم أمازون خدمة التوصيل إلى المنزل. وتساعدك غوغل في العثور على أمور عبر الإنترنت، و تبيع أبل منتجات فعلية. أما فيسبوك.. يساعدك في الدخول في شجارات؟ يطلعك على الآراء السياسية لزملائك القدامى؟

خلال العام الماضي، قضيت بعض الوقت في محاولة النأي بنفسي عن منصات التكنولوجيا المتقدمة، وبصورة عامة لم أحقق نجاحًا كبيرًا. لا يزال بحث غوغل، رغم جميع شكاويّ، أفضل طريقة بالنسبة لي للتصفح عبر الإنترنت، ولا يزال أمازون مريحًا بشكل لا يصدق لدرجة أن فكرة الإقلاع عنه تخيفني. ولكني قمت بتسجيل الخروج من فيس بوك منذ أكثر من عام، وقمت بتسجيل الدخول أقل من اثنتي عشرة مرة منذ ذلك الحين. وكان التحقق من الفيسبوك عادة يومية، لكنه لم يحسن حياتي أو يثبت أن له أهمية. ولم يكن الكثير من الجنود الرومانيون ليقولوا ذلك عن فترة باكس رومانا[7]. تسقط بعض الإمبراطوريات بعد غزوها من الخارج أو فسادها من الداخل؛ ولكن قد تكون إمبراطورية زوكربيرغ هي الأولى في التاريخ التي تنهار لمجرد تسجيل مواطنيها خروجهم.

-------------------------------------------------------------

الهوامش:

(1) رجل أعمال يهودي أمريكي هنغاري المولد، أحد أكبر المانحين في العالم للجماعات والقضايا الليبرالية.

(2) نائب الرئيس لشؤون السياسة العامة العالمية لموقع "فيسبوك"

(3) سياسي تولى منصب عضو مجلس الشيوخ الأمريكي

(4) مسئولة العمليات في فيسبوك

(5) عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي

(6) مساعد سابق للرئيس دونالد ترمب

(7) كانت فترة طويلة من السلام والاستقرار النسبيين حدثت في الإمبراطورية الرومانية بين انضمام قيصر أغسطس، مؤسس الزعامة الرومانية، وموت ماركوس أوريليوس

-------------------------------------------------

*هذا التقرير مترجم عن: NEW YORK

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
تويتر
فيسبوك