اليوم الخميس 17 يناير 2019م
الأخبار الفلسطينيةالكوفية

رجل العام 2019: ترامب!

20:20 - 02 يناير - 2019
د.عبد المنعم سعيد
الكوفية:

اعتادت مجلة «التايم» الأميركية على أن تضع على غلافها كل عام من تعتبره «رجل العام»، وكان الاختيار يقوم على أساس ما هو أكثر تأثيراً في السياسة الدولية أو في العالم على عمومه، ولم يكن ذلك بالضرورة بين البشر؛ فقد كان الكومبيوتر هو شخصية أحد الأعوام، وكذلك اكتشافات علمية أخرى. في العام الذي انقضى تواً 2018، اختارت المجلة عدداً من الأغلفة، لمجموعة من الشخصيات التي دار التأثير منها في مجال «حقوق الإنسان»، وأياً كان ما لهذا الموضوع من أهمية، فإنه في الحقيقة أغفل من هو بالفعل أكثر الشخصيات تأثيراً في حركة الكون، وبصماته ظاهرة في كل انقلاب حدث؛ وإن كانت الدنيا قد انقلبت رأساً على عقب؛ فذلك لأن رئيس الولايات المتحدة كان هو الذي أطلق التغيير. هل كان استبعاد ترمب من غلاف المجلة سببه هو أن ذلك جرى بالفعل من قبل؛ ومثل ذلك ليس سبباً على الإطلاق؛ لأن المعيار الذي تبنّته المجلة منذ وقت كان التأثير والمبادرة والفعل أو عدم الفعل على الإطلاق.

والحقيقة، فإن كاتب هذه السطور اختار ترمب لكي يكون رجل العام المنصرم في مقال نشر في صحيفة «الأهرام ويكلي» الغراء، وفي هذا المقام، فإن ترمب سوف يكون رجل العام الراهن أيضاً، ربما يكون نوعاً من المغامرة الفكرية، فمن يعلم ماذا سوف يجري غداً، وكيف يكون التأثير في دنيا تتغير كل يوم. والسبب الرئيسي لهذه المغامرة هو أنه أردنا أم لم نرد، أحببنا أم كرهنا، فإن الولايات المتحدة بلد محوري في السياسة العالمية، وهو من الأهمية للدول العربية التي تتعامل معه، أو تعاديه، بمكان كبير. وإذا كان كتاب التاريخ قد انقسموا بين الذين يرون تطوره عائداً إلى تغييرات في الظروف الموضوعية سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وفكرية؛ أو يرونه أسيراً لدور الفرد في تشكيل البيئة التي يعيش فيها، فالأرجح أنه في هذه الحالة الخاصة بالولايات المتحدة سوف تعطي أهمية لدور الفرد ـ دونالد ترمب ـ أكثر من أي وقت مضى.

المشهد الأخير في عام 2018 من المرجح أن يكون هو المشهد الأول في عام 2019، فقد انتهى العام الماضي بمجموعة من الإجراءات التي قام بها الرئيس الأميركي أدت به إلى الانسحاب من سوريا، وتخفيض عدد قواته إلى النصف في أفغانستان، وقبول استقالة وزير دفاعه جيمس ماتيس وبريت ماكجورك الممثل الشخصي للإدارة الأميركية في التحالف المناهض لتنظيم داعش. ولعل زيارة الرئيس الأميركي للعراق أثناء إجازة «الكريسماس»، وتفتيشه الأول للقوات الأميركية المقاتلة في الخارج، كان ذروة إعلانات ترمب عن توجهاته ليس فقط الخارجية، وإنما أيضاً الداخلية في الولايات المتحدة ذاتها. فرغم إعلانه أن القوات الأميركية باقية في العراق، فإنه جعل زيارته بعيدة عن التفاهم مع الحكومة العراقية، وأعاد الإلحاح بأنه على دول العالم التي تطلب مشاركة الولايات المتحدة عسكرياً أن تدفع ثمن ذلك؛ وفي الوقت نفسه فإنه انتهز الفرصة لكي ينتقد القادة العسكريين الأميركيين؛ لأنهم لم يكفوا عن طلب المزيد من الوقت، وبالطبع الإمكانات، لكي يحققوا هدف القضاء على «داعش»؛ ولم ينسَ وهو خارج واشنطن في الشرق الأوسط انتقاد مجلس الاحتياطي الفيدرالي أو البنك المركزي الأميركي في أول سابقة من نوعها لرئيس أميركي، ولم يجد غضاضة في التجميد الجزئي للحكومة الفيدرالية ما دام أن الكونغرس عجز عن توفير خمسة مليارات من الدولارات لبناء الحائط العازل بين الولايات المتحدة والمكسيك.

معنى هذا المشهد على الجسر الفاصل ما بين عامي 2018 و2019، أن ترمب أصبح أخيراً طليق اليد لكي ينفذ كافة مكونات برنامجه الانتخابي، الذي قام على ثلاثة أعمدة: أولها: تكسير العالم المبني على المنهج الليبرالي والمؤسسات متعددة الأطراف المماثلة للاتحاد الأوروبي أو حلف الأطلنطي أو اتفاقية «النافتا». وثانيها: العزلة للولايات المتحدة في موجة جديدة من استراتيجية غلبت على السياسة الخارجية الأميركية بعد الثورة الأميركية التي حذر فيها المؤسس الأول جورج واشنطن من التحالفات الأجنبية، وعادت لها أميركا مرة أخرى بعد الحرب العالمية الأولى، والتي أعقبتها بهزيمة الكونغرس لانخراط الدولة في عصبة الأمم. هذه المرة، فإن ترمب يمثل ردة أميركية على الانخراط الأميركي في قيادة العالم بتخفيض وجودها فيه، وعزلها بحوائط تمنع عنها المهاجرين واللاجئين الملونين غير المسيحيين. وثالثها: تحجيم دور المؤسسات الأميركية في السياسة الخارجية، وربما الداخلية أيضاً، بحيث لا تعود هناك حرمة للكونغرس ولا لمؤسسات الدولة الدفاعية والمالية، وذلك لصالح مؤسسة الرئاسة، وربما في عام 2019 سوف يضاف إليها المحكمة الدستورية العليا التي بات فيها أغلبية من المحافظين.

هذه السياسة التي سوف تجد انطلاقتها خلال عام 2019 لا بد أنها سوف ترتب نتائج داخل الولايات المتحدة، وبخاصة مع حصول الديمقراطيين على الأغلبية في مجلس النواب. لكن استراتيجية ترمب سوف تكون القفز على الكونغرس إما لتنفيذ سياسته أو للإعداد للجولة القادمة من الانتخابات الرئاسية لعام 2020، التي سوف تبدأ إرهاصاتها خلال الشهور المقبلة. لم تكن هناك صدفة أن ترمب تخلص من كل «المعرقلين» في إدارته؛ لأنه قرر أن يكون ترمب «ترمبياً» حتى النخاع اعتماداً على قاعدة انتخابية داخل الولايات المتحدة، وقاعدة لليمين المحافظ خارجها في الدول الغربية. ما سوف يؤكد عليه الرئيس الأميركي هو أنه حقق نجاحاً اقتصادياً غير مسبوق، وأنه جعل مستويات البطالة والتضخم في أقل مستوياتها، وأن تورط أميركا في العالم في أدنى الدرجات، وأنه سوف يقيم الحاجز الذي يفصل بين الولايات المتحدة والعالم الذي فيه دول «لا يعرف الأميركيون اسمها»، كما ذكر أثناء زيارته للعراق. فيما يخصنا في الدول العربية، فإن النتيجة المباشرة لتوجهات ترمب سوف يكون توفير طاقة جديدة للحركات الإرهابية في العالم، والنفخ في عدم الاستقرار في الدول الهشة في الشرق الأوسط. النتيجة الثانية، هي إعطاء دفعة كبيرة لكل من تركيا وإيران لتحقيق أهدافهما في الإقليم، وإعطاء دور أخضر لروسيا لكي تنفرد مع تركيا وإيران بتقرير الأوضاع في سوريا. وربما لخص ترمب الأمر كله في مكالمته لإردوغان لإبلاغه بالانسحاب من سوريا حينما قال: «إنها لك الآنIt is yours now ».

هل ينجح ترمب أم لا ينجح في تنفيذ سياساته سواء تلك الخاصة بأميركا أو الشرق الأوسط أو العالم كله خلال عام 2019، ليس هو القضية، لأن نجاحه أو فشله سوف يكون له نتائج بعيدة المدى، وتأثيرات تتعدى كثيراً حدود الولايات المتحدة نفسها. فليس من المتصور أن تترك المؤسسات الأميركية رئيسها يفعل ما يريد دون مقاومة، كما أن الولايات المتحدة ليست وحدها في العالم لكي تقرر مصيره، فكثيراً مما سوف يقرر نجاح أو فشل الرئيس الأميركي ليس في يد البيت الأبيض وحده. الأمر الذي لا يمكن إغفاله هو أن العام الذي سوف تتوالى أيامه 2019 سوف يكون عاماً مثيراً!

الشرق الأوسط اللندنية

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
تويتر
فيسبوك