اليوم الاربعاء 20 مارس 2019م
الأخبار الفلسطينيةالكوفية

فاكهة الشتاء

18:18 - 16 ديسمبر - 2018
محمود حسونة
الكوفية:

1- غبشة الفجر!!!

المكان ضيق أضيق من ثقب في جدار!!!! تنهال عليه اللكمات و الركلات والضربات، على ظهره، على رأسه، بين ساقيه كوابل من الأسياخ !!! ينسحب الوقت من بين أحشائه ثم يرتد نحوه كسيف اللهب!!!

الموت يدنو منه، يكمشه بين مخالبه، يغصُّ به يرطمه بالجدار يقذفه في الركن الرطب، الدم يركض في بدنه!!! رشقة من دمه تتسلق الجدار!!! يشهق نفسا عميقا، الهواء ضيق رطب عفن ساخن مالح كالح… أنفاسه تضيق شيئا فشيئا!!! ألم عميق يعضُّ القلب، ومساحة آهات تشقُّ دروبا توجع الروح...

الأن عرف كيف يكون الموت فعلا متعمدا بطيئا متدرجا!!!

لا رفيق ولا صديق!!! عيناه لم تطرفان، لم تخشعان!!! سرٌّه مدفون في صدر محكم الإغلاق!!!

تلاشت من أمامه كل الأشياء وتبخرت كرذاذ غبار لا وزن لها

!!! لم يعد هناك شيء!!! جسده المرضوض المنهك صار رذاذا من ضوء!!! وأخذت روحه تحوم فوق رؤوسهم تسخر منهم توبخهم تهزأ من عجزهم!!! إنهم صغار أصغر من حشرة في شق جدار!!!

فراشة النارحلقت وتعلقت كنجمة بعيدة في الفضاء الفسيح حيث حضن أمه الدافئ وزوجته!!! عانقته طفلته بثوبها الوردي وشعرها الأسود الفحمي، مسحت دموعه نمَّلت جروحه رأى في عينيها كل الأزهار الملونة وغبشة الفجر!!!

قالوا: أن جسده المعذّب المتناثر كالضوء تحوّل نملا صغيرا أسودا حاصرهم وأكل عيونهم وأطرافهم!!!

2- ليل الشتاء!!!

الرعد موال صاخب، والسماء غيث وأضواء برق... تدب نار الموقد في قطع الحطب وتلفها بثيابها المندلعة، ليتوهج الجمر، الجمر فاكهة الشتاء أنضجتها النار!!!

ينشر الدفء فروته!!! يخرج الدخان هربا من النار، ويتفشى كغمام شفيف خفيف ويأخذ أشكالا مبهمة، ثمّ يشكله الوضوح شيئا فشيئا: غزالة كحزمة ورد طائش على بركة حلم راكد ، تخنس أمام دفء النار، تلملم فضاء شالها، وجواهرها المستحيلة، ويشمل الدفء تلالها وأوديتها وسواحلها الناعمة الملساء!!!

غزالها يتلوى وجعا يحرقه لهيب الثلج المندلع في الضلوع!!! يصعد نداء يقظ من عين الغزال الملهوف، ومضة برق تلمع على جسد الغزالة لتصير بؤرة شعاع تُزيغ البصر، تبعها مطر أحمر نثر ألوانه و ألحانه السرية السحرية!!!

يسيل ماء الدلف كجدول رقراق، تغمس الغزالة قدمها وتعبث بمائه، وتداعب دوائر الماء أساور لتكمل مكيدتها!!!

فاحت رائحة الياسمين البلدي الهادئ!!! طاب للغزال أن يأخذ عروسه على رخام الليل المبلل!!!

اختفيا في حريرة الدفء لتبهرهم كنوز الخالق والدهشة خضوعا لإيقاع قانون الوجود، الذي فطن له المخلوق منذ القرون الأولى...

تنفجر الوردة وتترك لونها الكرزي ينساب على جدار الليل المنهار، والمطر سخيّ، طوفان، ريح، عاصفة صغيرة تحوم، تفوح رائحة الكستناء ويملأ الشهد المكان.

أفقت على النار وقد طمرها البرد اللئيم، وغاب الدخان، وخدّر البرد أطرافي لكن اللوحة ما زالت تتراءى أمامي كحلم مثير مبهر تحت ندف الثلج!!!

3- رقصة الفراشة!!!!

يراها فجأة كطيف يتدحرج رويدا رويدا من البعيد الأقصى

تصحبها موسيقا ناعمة، وروائح توقظ حواسه الغافية!!!

تملأه وتملأ المكان بنور وندى!!! فللذكرى وقع كالعاصفة تجتاح المكان وتعصف به، وتتركه مبعثرا في فوضى!!!

استسلم لحضورها كالضاري الذي أنهكته مطاردة الفريسة!!! حاول أن يقترب منها… في نيته أن يقبض عليها ويعتقلها بأنانية العاشق فلا يراها أحد، ولا يلمسها غيره!!!

اقترب منها فتناثرت كرذاذ الضوء ثمّ ما لبثت أن صارت فراشة تتلألأ بأجنحتها وتعبث بنظراته الزائغة!!! أرهقته وهو يحوم وراءها بعفوية الطفل البريء!!!

تتقدم نحوه تصير بين أنامله تضيئها ثم تنسل منسحبة بدلال مفرط؛ فيزفر أنّة من عمق روحه...

أطفأ الأنوار وخيّم الظلام ، فأخذت تقترب من وجهه تتراقص بين عينيه وتنثر أريجها على وجهه وتزوغ مبتعدة!!!

لم يستطع مقاومة حضورها، فنام ليلتها مفتوح العينين!!!

4- غزالة نزقة…

جلست كأميرات الأساطير على ضفة النهر، وهي تشع بالشغف و الأحلام... كسنبلة من أغاني الربيع!!! تداعب الماء بقدميها، وتسرح ضفائرها الغجرية مع النسيم كنغمة ناي ناعس... عصافير وفراشات ملونة وأنغام تحوم حولها...

جذبتني من قلبي الكبير... تناثرت حنينا إليها و هي تناديني بنظرات عينيها الهائلتين الحارقتين المسرفتين في الجنون!!!اقتربت منها فحلَّقت كعصفورة بعيدا!!! ثم عادت وحطَّت على كتفي...

فرشت لها البحر سريرا، وحملت القمر وطرحته بين يديها ، فأسقطته من بين أصابعها، وفرَّت كغزالة نزقة!!!

قالت: أنا الأميرة التي لا يتسع لها عرش ولا تاج!!! أنا الأميرة المتهادية فوق الغمام!!! أنا الأميرة التي لا تنحني...

لا تنزعوا النصل من قلبي، دعوها تبثُّ عسلها الأحمر في دمي!!!

ها أنذا عطشان والنهر يجري أمامي!!! يجتاحني البرد و النار في قلبي!!!! فإنني قد نسيت أن أتعلم عشق الأميرات !!!

5- نسائم ماكرة!!!!

تسافر كموجة بيضاء هادئة في جسد المدينة النائم!!!

ترفرف شالتها كابتسامة، وشعرها الذهبي ينسدل على كتفيها فتبدو كوردة غامضة تهبط من السماء!!! لحن يوشوش عيون العابرين!!!

نسمة نظيفة داعبت شعرها فتطاير في الهواء، وعربش على عينيها، مدت يدها وأعادت ترتيبه، نسمة ماكرة أخرى داعبت تنورتها فرفرفت كجناح عصفورة، وأخرى لامست قميصها المترنح من عطر أنوثتها!!!

راقت لها النسمات فانسابت على مزاجها، وتركت نسائم النيران تعبث بها...

تمايلت منزلقة من أقصى سعادتها!!! أيقظت المدينة... موسيقا تعزف، أشكال تطفو، نداءات مدهشة، ضياء يهتز، دوامات مذهلة، شعراء وأشعار،مشاغل ومشاعل،

من يلملم التفاصيل الهاربة من مشهدها المتلألئ تحت أشعة الشمس الربيعية؟؟!!!

6- الكادحون ...

كل يوم تطردهم بيوتهم المتواضعة الوضيعة، إلي الفراغ اللانهائي المخيف الشرس المرعب، الفراغ المليء بالذباب والذئاب السوداء بصياحهم الخبيث وقهقهاتهم البلهاء!!!

تنام كل الدنيا في غلالة ناعمة، والكادحون يسيرون في الشوارع الترابية بأقدام راجفة وأجساد مستهلكة ونظرات منطفئة!!!

خطواتهم بطيئة لها صيحات كالبكاء العالي، يعفرهم التراب وتختبئ تحت جلودهم صراخ جارح!!!

على جباههم الباردة الجميلة تطفو أحلامهم جثة ميتة، زنبقة بيضاء كبيرة!!!

يصرخ النعاس من عيونهم المبطنة كالسر العظيم!!! تطقطق أعضاؤهم كالأغصان اليابسة كحشرجة هائلة!!! تئز أنفاسهم مرتعشة!!!

يتكومون عند المفترق بلا حراك كحجارة قديمة…

سيغلقون أجفانهم؛ كيلا يشاهدون تكشيرة الدنيا وأشباحها الممسوخة الفظة!!!

يلهثون ، يسعلون، تمتد أذرعهم المعروقة أمامهم كالسيوف المشرعة ، لا يخصون أحدا!!! ولا يخصهم أحدا!!!

ثمّ تشخص عيونهم لتستغيث من وحل هائل!!!

البرد والنعاس يسري في أٌقدامهم ويتلوى ليصير ارتجافا ، يتحدّب الظهر ويلتصق بالركب!!! التعب المكدس في أبدانهم يفسد الشهية...لقمة ، لقمتان تكفي!!! مرا يمر الوقت ليزداد الصراخ في عيونهم!!! وريح مجهولة تجلدهم تحدث ضجيجا غريبا في أرواحهم الحالمة!!!

مع عويل الأيام وتنهدات الليالي، تقف الحافلة المهترئة قبالتهم، تلطخ وجوههم بسخامها، يقفون بأجسادٍ معصورة، و الألم و النعاس و الحنق يزعق في أبدانهم!!! ينحشرون في داخلها كالبضاعة المهملة، وتنطلق بهم مع رتابة أيامهم الداكنة!!!

وهكذا تمر الأيام ألف يوم بألف عام على أشباحهم النقية البيضاء الحزينة، وهم فوق صفحة النهار الأسود يهمس بحكاياتهم وأوجاعهم إلى أنسام المساء القادم بلا جديد!!!

7- موت العصافير!!!!

ونفضت العصافير الندى عن أجنحتها وطارت، أشعلت حرائقها وطارت، عصافير الصباح طارت كغيمة ورد!!!! تركت أغصانها وغادرت!!!

ظلت بقايا تغريداتها وضحكاتها تموج في رأسه كخيط كمان دافئ، أنين جميل يعمِّق إحساسه بفداحة الفقد والفراق!!!

اعتراه حزن عميق، وذبلت عيناه شوقا!!! إحساس يجتاحه قاسيا، إنه فقد شيئا ثمينا... علا صمت ثقيل!!! سرى فيه خدر لذيذ فأطبق عينيه المثقلتين بالشوق واستسلم لنوم طاغٍ….

تحسس جناحيه الملونين كجناحي عصفورة، تحرر من أثقاله الماكرة الغامضة وطار، طارت الزهرة مع الريح في الفراغات البعيدة وراء الغيمة المسافرة الملونة بالأنوار التي ركبتها أميرته الجميلة!!! ضحكت ونادته إلي بستان جسمها وهي تخبئ نشوتها كعتمة في الضوء!!! لتقلّم صرخات أوجاعها…. هناك ضجة خافتة لقد استيقظت من نومها الحمحمات عارية، وهربت العاصفة من سياج أيديهم!!! لفّته بدفء أنفاسها، وتلوّن الهواء بدهشة الحواس!!!! فغمره صفاء غريب ونسي كل همومه ومخاوفه وأحزانه وهزائمه!!!

سأحرس بستانك وعصافيرك، وأصنع لك قمرا يؤنس أحلامك، وأهمس لك كل ليلة حكاية جديدة مع أنسام المساء كما كانت تفعل شهريار!!!!

8- المرة الأخيرة!!!

للمرة الأخيرة سأحاول أن أنسج خاتمة تليق بك وبي… هكذا كتب لها: الأفضل لنا أن نتقدم أو ننسحب قبل أن تسوء الأمور وألّا نبقى معلقيْن في الفراغ كأصنام مشنوقة !!! فتصبح الأمور قبيحة!!! وألّا نتحمل قسوة الصدف التي قد تظللنا في لحظة ليست بالحسبان، فيكون الخطأ خطيئة!!!!

لتفادي الخيبة؛ علينا ان نفتش في مخابئ النفس، وأن نتحمل قسوة الصدق فهو ما يوصلنا حتى ولو متأخرين… صحيح أننا سنتعب من قسوة ما في أعماقنا، ولكن سنكون مهيئين لاستقباله قبل أن يفاجئنا ويربكنا ويخلط الأوراق أو يحرقها دفعة واحدة فلا يفيدنا الاحتراس!!!

لا توصدي أبواب قلبك وعقلك، فقد أملُّ الانتظار أمامها!!! هل تنتظرين الصدفة حتى ولوكانت الموت؟؟؟!!!

صديقي وإن شئت قلت حبيبي الغالي، سأفجرها وعلينا أن نتلقى الشظايا وأرجو ألا تكون قاتلة... سأرتكب معك حماقة إن قلت سأستمر!!!

لن أتركك تنتظر أكثر، فأنت تعبت وأنا كذلك...

اليوم أنا أجرأ من أي وقت لأعبر عن خيبتي!!! أبوح لك وأنا مفتوحة العينين و القلب والذاكرة!!! حاولنا أن نلتقي في منتصف الطريق كان يلزمنا كثير من الآلام والتضحيات، واكتشفت أنها فتنة الحب وأوهام الأشواق!!! إنها غيمة حلقت فوقنا ثم عبرت وأمطرت خارجنا!!!

لقد ماتت أحلامنا، وانطفأت ابتساماتنا الأولى!!!

من المذنب؟؟!! لا أدري!! ربما أنا، ربما أنت، ربما كلانا!!! لكن أنا من سيتحمل ذلك، نعم أنا!!! لقد كنت فرحي وفرحتك ذات يوم، وأنا اليوم خرابك الكبير!!! إنه ألم كبير، ولا أعلم أهذه بدايته أم نهايته؟؟!!!

اعتبرني مت!!! وإن شئت فاغرس على قبري زهرة وغادر!!! وإن لم تجد قبري، فاصنع لي قبرا!!!

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
تويتر
فيسبوك