اليوم الاربعاء 19 يناير 2022م
وفد من قناة الكوفية يزور أمين سر قيادة حركة فتح -ساحة غزةالكوفية القدس: إصابة سائق حافلة "إسرائيلية" إثر رشقها بزجاجة حارقةالكوفية بالصور.. اندلاع مواجهات بين الشبان والمستوطنين في مدن الضفةالكوفية ارتفاع عدد الأسيرات المصابات بـ"كورونا" إلى 10الكوفية الثقافة الغائبة عنا .. ثقافة الاعتذارالكوفية إصابة 3 أسيرات بكورونا في سجن "الدامون"الكوفية تصاعد وتيرة هدم المنازل وتهجير العائلات الفلسطينية في القدس المحتلةالكوفية عشرات المستوطنين يتجمعون شمال القدسالكوفية الإمارات تطالب مجلس الأمن بعقد اجتماع حول هجوم الحوثيينالكوفية مستوطنون ينظمون مسيرات استفزازية جنوب نابلسالكوفية الصحة تدين الاعتداء على ممرض في الخليلالكوفية سلطة البيئة والمياه تطالب المجتمع الدولي بإيجاد حل عاجل لأزمة المياهالكوفية الحوثيون عندما يقصفونالكوفية تونس: تمديد حالة الطوارئ حتى 18 فبرايرالكوفية عائلة الأسير أمين عرمان: هناك تناغم في سلوك أجهزة أمن السلطة والاحتلالالكوفية مستوطنون يقتلعون أشجار الزيتون في مسافر يطا جنوب الخليلالكوفية الاحتلال يهدم منشأة قيد الإنشاء ويخطر بإخلاء أرض زراعية غرب سلفيتالكوفية بالفيديو.. البنا: قطاع غزة يعاني فجوة كبيرة بين المتاح والمطلوب من المياهالكوفية الرئاسة السورية: روسيا قدمت أقصى ما يمكن تقديمه لسوريا أثناء الحربالكوفية رفع حالة الطوارئ في كازاخستان اعتبارا من غد الأربعاءالكوفية

طفل مثلج في ساحة الميلاد

11:11 - 28 نوفمبر - 2021
عيسى قراقع
الكوفية:

أيها الناس، وأنتم تستعدون لاستقبال أعياد الميلاد المجيدة في كل أنحاء الكون، تستعدون للحفلات والصلوات والرحلات، تحتشدون قلبا وروحا ومغفرة في الدعاء والرجاء كي يكون العام القادم عام سلام ومحبة وهدوء بال، وأنتم تزينون بيوتكم ونوافذكم وساحات مدنكم وشوارعها بأشجار الميلاد المضيئة ليلا، وأنتم تجتمعون كعائلات حولكم الأولاد والاقارب والأصدقاء، تشترون أجمل الملابس والهدايا لأطفالكم الصغار، تنظرون إلى السماء وتتمنون أن يهطل الثلج ليلبس العيد لون البياض.

أيها الناس، وأنتم تشاهدون أطفالكم يرسمون بأقلام التلوين على الثلج أشكالا جميلة ومبهرة، طيورا وفراشات ملونة، جبالًا وقوارب وأسماكا ذات ألوان بديعة، أجمل اللوحات يرسمها الأطفال فنانو الطقس البارد، لوحات بديعة، تمتزج الألوان المائية بأحلامهم البريئة، يركبون حصان الثلج ويسافرون إلى مستقبلهم بسعادة غامرة، يركضون ويمرحون ويلعبون بكرات الثلج تحت الرذاذ، يحررون نبي الحرية من قيوده ويشعلون البرق والرعد والسحاب والنبوءة والخلاص.

أيها الناس: في فلسطين وحدها عندنا طفل مثلج، إبداع مختلف ومتميز، نتفوق عليكم في احتفالات أعياد الميلاد هذا العام، ليس طفلا كرتونيا أو جسما مصنوعا من ثلج، ليس طفلا مرسوما تذوب ألوانه عندما تشرق الشمس، إنه طفل من لحم ودم، طفل مثلج في ساحة الميلاد في مدينة بيت لحم مهد اليسوع عليه السلام، طفل ينام تحت قالب الجليد السميك، يحتاج إلى وقت ليستيقظ ويظهر وجهه وملامحه وابتسامته الطفولية، عندنا طفل متجمد، محبوس الأنفاس، محتقن الدم، مقيد تحت كتلة ثلج، وقد أراد أن يفاجئ العالم في يوم الطفل العالمي، وأن يفاجئ المسيح حبيب الأطفال، وأن يفاجئ الفنانين والكتاب والمثقفين والحاصلين على جوائز نوبل، العباقرة والفقهاء والعلماء.

طفل فلسطيني مثلج، اسمه أمجد أبو سلطان 14 عاما، إنه طفل هذا العام، يسكن في محيط كنيسة المهد، الأقرب إلى مغارة الميلاد وصوت الصلاة، الأقرب إلى خشوع المؤمنين والعباد، الأقرب إلى قرع الأجراس والترانيم والابتهالات، الأقرب إلى الإيمان، الأقرب إلى خطوات الرسل والأجداد والتاريخ الممتد منذ أقدم العصور من جبال القدس إلى مدينة بيت لحم، الأقرب إلى مدرسته وأصدقائه وأقلامه وكتبه وشهادة الميلاد.

طفل فلسطيني مثلج في ساحة الميلاد، طفل هذا العام، اسمه أمجد أبو سلطان قتلته قوات الاحتلال الإسرائيلي يوم 15-10-2021 في مدينة بيت جالا بدم بارد، وأصابت زميلا له تم اعتقاله جريحا، القناص الإسرائيلي لم يخطئ في عملية الإعدام، الطفل في الفوهة، رصاصات في الرأس وفي القلب وفي الظهر، عملية عسكرية مكتملة وناجحة تماما أنجزها جيش الاحتلال ضد طفل كان على مسافة بعيدة ولم يشكل خطرا عليهم، لكنه طفل فلسطيني، وهي فرصة متاحة لاصطياده وإرساله إلى الموت سريعا.

الإنجاز العسكري الإسرائيلي لم يكتمل بقتل الطفل أمجد، وإنما اتخذ قرارا ومن أعلى المستويات باحتجاز جثمانه في الثلاجات الباردة، ربما لم يمت تماما، فالثلج القارص سيقتله، ربما لا زال قلبه ينبض، فالثلاجة المحكمة ستخنقه، ربما روحه ترفرف، فجليد الثلاجة سيخمدها ويجمد الأجنحة.

الإنجاز العسكري الإسرائيلي بقتل الطفل أمجد أبو سلطان لم يكتمل إلا بعد أن مر أكثر من شهر على احتجاز جثته في تلك الثلاجة المغلقة، وعندما اطمأنوا إلى أن دمه المشتعل قد انطفأ، وأن أحلامه قد ذابت في ماء الثلج، وأن عيونه قد أغلقها الثلج، وبعد جهود قضائية تم تسليم جثمانه على معبر الجبعة إلى الغرب من مدينة بيت لحم، ولكنه لم يصل، حيث تبين أن الجثمان لا يعود له، إنما لشهيد فلسطيني آخر، تأجل التسليم حتى يوم السبت 20-11-2021 فوصل الشهيد أمجد في قالب من الثلج وفي يوم الطفل العالمي.

في ساحة الميلاد طفل مثلج، طفل قتلوه ثلاث مرات متتالية: التصفية الميدانية، احتجاز الجثمان غير القانوني في ثلاجات باردة، تعذيبه وتعذيب عائلته التي انتظرت وصول ولدها ولم يصل في الساعة المرتقبة تحت حجة خطأ رقمي، فالشهداء أرقام، والأسرى أرقام، يستبدلون ويشطبون من الحياة الدنيا ومن الحياة الآخرة، فأمجد ليس إنسانا وليس طفلا إنه مجرد هدف خطفت حياته رصاصة قاتلة.

في ساحة الميلاد طفل مثلج، كتلة لحمية مثلجة، جاء من سجون الثلاجات الإسرائيلية حيث لا تزال سلطات الاحتلال تحتجز 90 شهيدا في هذه الثلاجات، وبعد أن تتجمد أنفاس الشهداء يرسلونهم إلى ما يسمى مقابر الأرقام العسكرية لينضموا إلى 254 شهيدا محتجزا هناك منذ سنوات طويلة، ممنوع أن يكون لهم أسماء ولا قبورا ولا جنازات لائقة، لا كرامة لميت في دولة تتقن أفناء البشر ومحوهم وهدر حياتهم السابقة واللاحقة.

في ساحة الميلاد طفل مثلج، لن يضيء معنا شجرة الميلاد هذا العام، لن يأخذ هديته من بابا نويل، لن يشاركنا في الاحتفالات والصلوات، لن يركب دراجته الهوائية التي اشتراها له والده قبل أسبوع من استشهاده، لن يلعب بالثلج ويستحم تحت قطرات المطر، فيا أيها الحالمون بالمعاطف والقبعات والدفء ومواقد السمر بين ضلوعكم يسكن طفل مثلج.

في ساحة الميلاد طفل مثلج، هذا ليس مشهدا من فيلم "مطاردة الجليد" الذي حصل على العديد من الجوائز الدولية وصور في القطب المتجمد الشمالي، انه طفل هنا على ارض فلسطين لم تصله الكاميرا والمؤلفين والمخرجين، لو رآه المشاهدون سوف يفرون فزعين يبحثون عن مأمن لأطفالهم، فالفاشية الإسرائيلية أصبحت عالمية يصل جليدها الى كل الأطفال الحالمين.

ماذا ستقول الكنيسة في صلاة منتصف الليل هذا العام؟ لا يكفي الدعاء، المذود مليء بالدم، المغارة مزدحمة باللاجئين، الأرض المقدسة تفترسها المستوطنات والحواجز والجدران الفاصلة، خبز مدينة بيت لحم لم يعد يكفي للفقراء، هنا غزاة وبرابرة يجتاحون الوهة الكون، هنا تستفحل العنصرية والوحشية والكراهية، هنا الاحتلال الصهيوني الكولونيالي، هنا الإرهاب المسلح والوباء.

أيها المجتمع العالمي امنح دولة الاحتلال الإسرائيلي جائزة الإبداع والتميز في قتل الأطفال الفلسطينيين، تحولهم إلى أشلاء مهشمين ممزقين أو كتل ثلجية أو هباء منثور ورماد في قاع التراب والنسيان.

تستحق إسرائيل أن تحصل على اليوبيل العالمي لعام 2021 لأنها قتلت 63 طفلا في عدوانها الأخير في شهر أيار من هذا العام على قطاع غزة، و16 طفلا في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وشردت مئات الأطفال الذين فقدوا مساكنهم ومدارسهم المدمرة.

أعطوا إسرائيل جائزة أفضل قاتل في التاريخ المعاصر، لأنها نجحت في الإفلات من العقاب الدولي والمحاكمة والمحاسبة، دولة منفلتة في المنطقة، لم توضع على قائمة العار في الأمم المتحدة، الدولة الوحيدة التي حولت القتل إلى عملية تلذذ ومتعة وابتهاج وعقيدة ومنهج دون خوف أو مساءلة، الدولة الوحيدة التي شرعت الجريمة والطغيان وما زالت تسمى الدولة الأكثر أخلاقية وديمقراطية.

أعطوا إسرائيل جائزة أفضل سجان في التاريخ المعاصر، أطفال ينزعون من أسرّتهم بعد منتصف الليل في حملات الاعتقال والمداهمة، الضرب والفزع والتنكيل والتعذيب والدعس وتقويض حياتهم والتسبب لهم بصدمات وامراض نفسية وجسدية، انها اكبر سجان للأطفال، فقد اعتقلت 19 الف طفل فلسطيني منذ عام 2000، لا براءة للأطفال في المحاكم العسكرية الإسرائيلية، أحكام قاسية، القضاة لا يرون وجوه أطفال في قاعة المحكمة، الأطفال غير محميين وفق الاتفاقيات الدولية، فكل طفل هو هتلر بالنسبة لهم مصيره الموت او السجن كما كتب احد المستوطنين الصهاينة، الأطفال قنابل موقوتة يجب تفكيكها وتدميرها.

أعطوا إسرائيل أفضل جائزة في تطبيق العنصرية المتوحشة، احكام تمييزية، تشريعات عنصرية تسمح باعتقال أطفال بعمر 12 سنة، إنهم أطفال "عرابيش"، استخدام النيران المميتة، الحرق والخطف، فلا أجمل ولا أبهى من صور عرب اموات، انها صورة مفرحة، وليمت أكبر عدد من الأولاد هذا ما يكتبه الإسرائيليون على مواقع التواصل الاجتماعي، ولهذا حُرِقت عائلة دوابشة عام 2015، المستوطنون يغنون ويهتفون وهم يرددون: حرقناك يا علي الرضيع شويناك على الشواية.

أعطوا جنود الاحتلال النياشين والأوسمة، إنهم أبطال قوميون محاربون استعادوا أرض الميعاد من سكانها الأصليين، ركبوا الأسطورة والدبابة وجاءوا من هوامش التاريخ، طهروا المكان والزمان واختلقوا رواية للموت وأخرى للذاكرة.

أعطوا دولة إسرائيل جائزة الحصول على الرقم القياسي للعار هذا العام، فقد أرسلت إلى مدينة بيت لحم وفي أعياد الميلاد المجيدة طفلا فلسطينيا مذبوحا داخل قالب من ثلج اسمه أمجد أبو سلطان، واتصل ضابط المخابرات الإسرائيلي بوالد الشهيد متباهيا ومهددا ليقول له: قتلنا أمجد دير بالك على ابنك الثاني إسماعيل، الإسرائيلي من حقه أن يقتل الفلسطيني حتى لو كان طفلا، يجب القضاء على مستقبل الفلسطينيين بالقضاء على نسل فلسطين.

في ساحة الميلاد طفل فلسطيني كفنوه بالثلج، خرجت الجنازة من ساحة الميلاد بعد أن مكث الجثمان أسبوعا في المشفى حتى ذاب الثلج، بكى أصدقائه الصغار وهم يودعونه ويقبلونه بحرقة، بكى الكبار، ساحة الميلاد صارت للموت وإنتاج الموت قتلا وإبعادا وحصارا، المسيح لا زال مطاردا في التاريخ، الأطفال مطاردون، والكنيسة الملجأ والمعبد تشعل الأرواح البريئة وتوقظ الصيف في عز الشتاء.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق