اليوم الاحد 16 ديسمبر 2018م
الأخبار الفلسطينيةالكوفية

لروحه المجد والمَسرّة

13:13 - 11 نوفمبر - 2018
عدلي صادق
الكوفية:

لا زال أبو عمار، بعد أربعة عشر عاماً على رحيله الملحمي، يثير الشجن والإحساس العميق بالفَقد، لدى الجماهير الفلسطينية والأحرار في أربع جهات الأرض، لما يمثله من علامة فارقة في تاريخ النضال من أجل حقوق الأمم وحريتها، وتعاضد حركاتها الوطنية وشعوبها.

الموبوءون وحدهم، والمريبون، والمنطوون على عورات دائمة، هم الذين لا شجن عندهم في ذكرى تغييب الفارس، مؤسس الحركة الوطنية المعاصرة، الذي اختزل في مشاويره، المستحيل الفلسطيني مثلما اختبر الممكن الذي رآه، بعدئذٍ، مستحيلاً. هو الثائر الزاهد المؤمن الحاني، الذي أجرى تعديلاً على مقاييس الجمال نفسه، فرأيناه ذا طلة محببة آسرة، مُطمئِنة، تبث روح الثقة بالنفس وبالثورة وبناس فلسطين جميعاً!

مر أربعة عشر عاماً، على نبأ انتقال الرئيس القائد، ياسر عرفات، من حال الميت سريرياً، إلى حال الاستشهاد الفصيح، الذي لم تنتقص من بلاغته، كل "ترتيبات" الغموض، فلسطينياً وعربياً ودولياً. وفي الوقت نفسه، مرّت هذه الأعوام، على عجزنا عن تثبيت تاريخ الجُرعة ـ الرصاصة، التي قَتَلَت في الحال، لكنها أعطت القتيل المغدور، حق الإطلال، للحظات، على الناس، من باب المروحية قبل تحليقها. ففي تلك الأثناء، انزلقت بعض كلمات من أفواه العارفين بالجرعة، لتنعي رجلاً كان يتنفس، بل لتحدد تاريخ الدفن، لجسد ساخن، كان لا يزال معدوداً من بين الأحياء. ففي حسابات القتلة، كما في حسابات السم، كان ضرورياً، ألا يرتطم موت أبي عمار، دفعة واحدة، بأذهاننا المثقلة بهموم من شتى الألوان. كانت تلك، معركة كبيرة، وقف "أبو عمار" شامخاً في قلبها، زعيماً جسوراً لا تنحني هامته. وفي ذاك اليوم، الذي كنا فيه، نتهيأ لاستقبال جثمانه، كنا ننتزع أنفسنا من أنفسنا، ومن أحزاننا، لكي نؤكد أن الفارس الذي ترجّل، قد غاب فعلاً، لكن الخيول لا بد أن تظل واقفة ومتحفزة، لمعاودة المسير، مثلما لا بد من استكمال الرحلة. فكل نفس ذائقة الموت، وحين يدرك الموت، فارساً أو قائداً أو رمزاً، بهذه الوسيلة أو تلك، يكون عزاؤنا في عزيمة الرجال، وفي إيمان الأجيال، بأن لا عودة عن مشروع الاستقلال والحرية، مهما كانت وعورة الطريق!

أربعة عشر عاماً على رحيل "الختيار" لصيق فطرتنا وذكرياتنا، الذي كان حاضراً في الحُلم وفي أوقات الكوابيس، وسيظل حاضراً في القلوب. فهذا الرجل الاستثنائي، لا تحيط بسيرته صحيفة أو كتاب. ولنا أن نباهي، بأن قائدنا الراحل عن دنيانا، هو صاحب حكاية غير قابلة للاختزال. وكيف نختزل سيرة رجل، خرج من شقوق الأرض، ليقف على سطح الحياة العربية الراكدة، وليصبح رمزاً فيها، وليصنع ثورة تداوي جراحات النفس العربية، في الليالي المُظلمات، ثم يتوزع بين ميادين الوغى ومعتركات السياسة، فيؤسس التحالفات ويغشى القلوب والدهاليز الرسمية، دون أن ترهقه مسطرة فلسطين ومعادلتها، حتى عندما تَفرض عليه أن يفك تحالفات قديمة، لكي يؤسس تحالفات جديدة، وأن يساير الحالمين وأن يداوي المتشائمين. فقد تراكمت له، تجربة عجيبة، من الكفاح في ميادين السياسة وفي ميادين الحرب، وفي مطارح الحب والإنسانية!

فـ "أبو عمار" هو الذي أعطى لكل رهان، في التجربة الطويلة، مداه الأقصى، حرباً أو سلماً، ودون كلل. قاتَل المحتلين، لكي يحدد نقاط ارتكاز للثورة المسلحة، وقاتَل آخرين، من غير المحتلين، للحفاظ على نقاط الارتكاز، دون أن يقصر في واجبات الحفاظ على الأخوّة معهم. ومع استمرار التجربة، كان عدواً وصديقاً وأخاً وخصماً لهم في حيثيات الجرد النهائي. تحالف "استراتيجياً" مع أطراف نقيضة، في مراحل محددة. تفاءل بثورة إيران، وتشاءم من الحرب العراقية الإيرانية. خاصم البعث العراقي، والبعث السوري، وتحالف معهما، كُل على حدة، في مرحلة تلو الأخرى وحيثما أخذته بوصلة فلسطين ومقتضيات المعركة. كان ساحراً في لعبة السياسة، لا سيما في الدائرة الجغرافية المحيطة بوطنه. اعتمد لغة تتخذ من بساطتها، ومن ركاكتها النحوية، غطاء منيعاً للأسرار التي ذهبت معه، إلى القبر في "المقاطعة". حتى في تحالفاته، كان من طراز خاص، ربما يفتح شهية الدارسين، إلى التحليل والتقصي والاستفادة. فهو في مرحلة، صديق صدام حسين، على نحو أعمق من صداقته غيره، لكنه في اللحظة نفسها، الصدر الحنون، للمعارضين العراقيين من أعداء صدام حسين، وبعضهم من الحاكمين في العراق اليوم. حارب أبو عمار القوى والأنظمة التي خاصمت الثورة. فتح أبواب معسكرات التدريب، لمن يريدون إسقاط نظام الشاه في إيران، وللمعارضين غيرهم من جهات الدنيا الأربع. و"أبو عمار" هو الذي أوصل البندقية إلى نيكاراجوا والى أمريكا اللاتينية، وكان عوناً لكل ثائر في العالم. ومن أجل السلام العادل، ذهب إلى أبعد المشاوير، سراً وعلانية. هو رب الأسرة الثورية الشاسعة، من كل الأمم، الذي كان يُعنى بأبناء الأحرار، الذين قضى آباؤهم على دروب الحرية!

بقلمه الأحمر، كتب "أبو عمار" على شغاف قلوبنا، خطوطاً لن يجرؤ أحد على تجاوزها. وبهذه الخطوط الحمراء، أكد على خيبة القتلة، الذين توهموا أننا جاهزون لتغيير وُجهتنا، وبأن ياسر عرفات كان هو "العقبة". ظنوا أن حياته هي العقبة، فأصبحت العقبة تكمن في موته. فقد رسم الرجل  لشعبه ولأمته، عناوين المستقبل، وأودعنا الأمانة!

مر أربعة عشر عاماً على رحيله، هي نفسها الأعوام التي مرت على عجزنا العربي، وعلى عجزنا الفلسطيني، وعلى سفالة الاحتلال وكذبه وألاعيبه. مرت السنون، على براءة لياسر عرفات، تكبر مع الأيام، حيال أراجيف السفهاء والأدعياء والكاذبون وتخرّصاتهم.

 

سنوات مرت على رسوخ مشروع الاستقلال والحرية الذي أرسى قواعده، وعلى الحقيقة الغائبة، التي ستَتكشّف يوماً. فلروحه، ولراحة نفسه، المسرّة، والسلام، والحب والوفاء والدعاء!

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
تويتر
فيسبوك