بالنظر إلى أنه من بين المجموعات المسلحة العديدة التي كانت تقاتل نظام بشار الأسد في سورية منذ العام 2011، كانت الجماعة المدعومة أو المحسوبة على تركيا هي من تولت زمام أمور الحكم بعد إسقاط النظام السوري السابق في شهر تشرين الثاني من العام الماضي، وأخذاً بالاعتبار بأن نظام الأسد كان متوقعاً سقوطه قبل سنوات عديدة وليس قبل أربعة أشهر فقط، لكن ما حال دون ذلك هو أن النظام السابق كان مدعوماً من قبل ايران، التي ساعدته عسكرياً بالسلاح والخبراء العسكريين وكذلك بالمقاتلين عبر رجال حزب الله، ذراعها الإقليمي الأهم، فإنه يمكن القول بأن انتقال سورية من نظام الأسد الى نظام الشرع تكون قد انتقلت من موقع الحامية الإقليمية الإيرانية الى موقع الحامية الإقليمية التركية.
ويبدو أن ذلك كان من زاوية ما انسجاماً مع تاريخ كانت فيه سورية والعراق بمثابة مملكتين تتمتعان بحكم ذاتي وفق مصطلح اليوم السياسي، وتتبعان أقوى دولتين في الشرق الأوسط القديم، وهما امبراطوريتا بيزنطة والفرس، حين كان الغساسنة في سورية تابعين للروم البيزنطيين في بلاد الأناضول، فيما كان المناذرة تابعين للفرس في ايران.
اليوم يبدو حال كل من العراق وسورية فيه كثير من الشبه بما كان عليه حالهما في قديم الزمان، والعراق اليوم رغم كونه دولة عربية مستقلة، إلا أن نفوذ ايران على الحكومة والشعب رغم كل التعقيدات الداخلية المتمثلة بتمتع كردستان السنية بحكم ذاتي، والسيطرة الأميركية على العاصمة، ووجودها العسكري عبر قواعدها العسكرية، إلا أن النفوذ الإيراني يبدو أكبر، وقد ظهر ذلك حين شاركت المقاومة العراقية كجبهة إسناد لغزة خلال العام الماضي، أما سورية وإن كان الوقت مبكراً لتحديد عمق علاقة نظام الحكم الجديد بتركيا، إلا أنه يمكن القول بأنه ذاهب الى تحالف عميق، مع تركيا أردوغان، وأن حال سورية في علاقتها بتركيا اليوم لا يختلف كثيرا عن حال العراق في علاقته بإيران، وهناك تعقيدات داخلية في سورية أيضا، تتمثل في قوات قسد الكردية التي هي على علاقة وطيدة بأميركا كما هو حال أكراد العراق، كذلك هناك قوات أميركية وإن كانت محدودة الخطورة، فيما هناك قواعد عسكرية روسية.
في ظل هذه الخارطة الاقليمية، وكما لعبت اسرائيل دوراً حاسماً في اسقاط نظام صدام حسين، عبر الدفع بأميركا لشن الحرب عليه، لعبت اسرائيل وأميركا دوراً أقل سفوراً، ومن وراء الكواليس، بترتيب خطة إسقاط نظام الأسد مع تركيا، والهدف الاسرائيلي واضح، وهو «ملاحقة» ما تبقى من دول عربية تناصبها العداء وتقف ضد تطبيع العلاقات معها، وإن كان بالشعارات فقط، وتأكد ذلك من خلال إسقاط نظام القذافي أيضاً، بل ومن خلال دعم أميركا وإسرائيل لعملية فتح المجتمعات العربية، منذ عام 2011، عبر ما سمي بالربيع العربي، وبالطبع فإن إسرائيل تتعامل مع سورية مباشرة، كونها دولة جوار، على تماس حدودي مباشر معها، في حين بينها وبين العراق الأردن وسورية، لذا فإن تكتيك اسرائيل ضد الدولتين أخذ بعين الاعتبار الاختلاف الجغرافي، وإن كان لعب في الحالتين على الفوارق العرقية والطائفية.
لا بد من القول بأن قوة العراق العسكرية وحتى السياسية، ومن ثم المالية قد تحطمت تماما، فلم يعد للعراق نفوذ اقليمي، كما أن سورية ومنذ سنوات وهي تتعرض للعدوان العسكري الاسرائيلي المباشر والمتواصل، وذلك خلال فترة حكم الأسد من خلال مواظبة اسرائيل على تنفيذ الغارات الجوية على القواعد والمدن السورية في كل مكان من سورية، بحجة توجيه الضربات للعسكريين الإيرانيين أو لمقاتلي حزب الله، ولم يتغير الأمر في شيء بعد تغير نظام الحكم في دمشق، بل زاد العدوان الاسرائيلي من حدته وسفوره، فهو سارع فورا الى تدمير كل المقدرات العسكرية السورية، ومن درعا الى حلب، والأخطر كان توغل القوات البرية الإسرائيلية واحتلال أراض سورية إضافية، وبعمق عشرات الكيلو مترات، وحولت إسرائيل المنطقة العازلة الى أرض محتلة، في الوقت الذي لم تجد فيه غضاضة من الإعلان بكل تبجح بأنها تقوم بعملية عسكرية لإقامة منطقة عازلة حتى دمشق وتصل الى حدود السويداء.
وهكذا فقد أحرجت اسرائيل نظام الشرع، الذي تجاهل أمر الاعتداءات العسكرية الاسرائيلية، ثم بدأ يشكوها الى العرب، وبعد ذلك الى الأمم المتحدة، ثم ذهب الى تركيا، لعلها تفعل ما من شأنه أن يوقف اسرائيل عند حد أقل احراجاً، الى أن بلغ السيل الزبى كما يقال، أو أن الكيل قد طفح، حيث بدأت مقدمات المواجهة الحتمية بين سورية واسرائيل، تلك المواجهة التي لم تحدث ميدانياً، أو عسكرياً منذ ما بعد العام 1973، حيث اتبع نظام الأسد، عبر الأب والابن، سياسة التوازن الاستراتيجي، ومواجهة اسرائيل خارج حدود سورية بالدعم العسكري والسياسي للمقاومة الفلسطينية بحدود ضيقة، كونها اقتصرت على من يتبع سورية فقط من فصائل، واللبنانية سياسياً، وعبر التحالف مع ايران التي اتبعت نفس السياسة التي تجنبها المواجهة العسكرية المباشرة مع اسرائيل وأميركا، بمحاربتهما عبر الوكلاء الاقليميين من فصائل المقاومة الإقليمية.
أمام سورية اذاً فرصة أو نافذة وحتى احتمال أن تواجه اسرائيل بمقاومة شعبية، وما زال نظام الحكم الجديد على علم ودراية بأساليب وتكتيكات تلك المقاومة، وطالما اعتبرت اسرائيل سورية واحدة من جبهات سبع اقليمية تخوض معها حربها الوجودية الثانية كما يدعي ويقول قادتها الفاشيون حالياً، رغم أن الجبهة السورية لم تطلق طلقة واحدة، حتى اليوم، على اسرائيل لا خلال حكم الأسد، ولا فور استلام الشرع لزمام الحكم الجديد، وفي مثل هذه الحال، فإن اشعال الحدود بين سورية وإسرائيل، سيعني بكل بساطة بأن إسرائيل قد ارتكبت حسبة خاطئة، حين دعمت من وراء الكواليس تغيير النظام في سورية، وربما كان مبعث ذلك بأن إسرائيل لم تعد تكتفي بالحفاظ على ما احتلته من أراض عربية عام 1967، وهي قد أعلنت ضم الجولان وأيدها في ذلك ترامب في ولايته السابقة، ولم يخض الأسد معها حرباً لتحرير الجولان منذ أكثر من خمسين سنة، تماماً كما أنها لم تعد تكتفي ببقاء الواقع الحالي في الأرض الفلسطينية من حيث هو مجرد حكم ذاتي، لكنها بدأت في عهد حكومة إسرائيل الكبرى، المتمثلة نتنياهو وابن غفير وسموتريتش في العمل من أجل احتلال أراض أخرى، وتوسيع حدود إسرائيل وفرض نفوذها على كل الشرق الأوسط.
اسرائيل تدرك جيداً بأن تركيا وإن كانت منافسا اقليميا، إلا أنها أقل خطورة من إيران، لأن قوة إيران العسكرية والاقتصادية أكبر من تركيا، والأهم أن حلفاء إيران الاقليميين أكثر، لكنها مع ذلك ترى بأن منع ظهور المقاومة في سورية يمكنه أن يكون بضربة قاضية من خلال تغيير النظام في تركيا، لأن تحالف الشرع مع أردوغان، له جذور عقائدية دينية سياسية، كما تسعى منذ وقت لتحطيم كل قوى المقاومة الإقليمية بتغيير النظام الإيراني، لأنه من شأن سقوطه وتغييره بنظام علماني مثلا أن يغلق باب دعم وإسناد قوى المقاومة الإقليمية وتغير وجهة بوصلة السياسة الخارجية الإيرانية بالكامل.
لهذا فإن الحكومة الإسرائيلية تواصل الحرب في مغامرة غير مضمونة النتائج، وتجد معارضة شديدة من الدولة العميقة الاشكنازية، التي ترى بأن دوافع نتنياهو هي شخصية، أو ائتلافية، وهي كذلك فعلاً، وهذا لا يغير من حقيقة كون اليمين الاسرائيلي بتحالفاته الرئيسية المرتكزة على الحريديم المتدينيين والمستوطنين واليمين السياسي المتطرف، يتقدم على طريق جابوتنسكي، وفق شعار دولة إسرائيل الكبرى، وهو يرتكز لأغلبية برلمانية وشعبية واسعة، واليمين الإسرائيلي العنصري، الذي لا يقبل قيام دولة فلسطين المستقلة، والذي لا يقبل بدولة المواطنة داخل إسرائيل نفسها، يعتقد بأن إسرائيل لم تقم بالكامل في العام 1948، لآنها تشمل كل فلسطين الانتدابية ، كذلك تشمل فلسطين التاريخية بما في ذلك الأردن، وفقا لقراءة تاريخية تشير الى قيام دولتي يهودا وإسرائيل قبل آلاف السنين، وبعمق داخل أراضي سورية والعراق وحتى السعودية الحالية.
أخيراً لابد من التأكيد على احتمال يلوح في الأفق، واستناداً الى حقيقة سياسية تقول، بأنه ليس هناك من مواقف ثابتة في السياسة، بل هناك مصالح ثابته، تتغير معها المواقف السياسية، وبناء على هذا فإن المقاومة الشعبية السورية بدعم النظام أو بعدمه، والتي ظهرت بشارتها في قرية كويا قضاء درعا قبل أيام، قد تكون أحد أذرع المقاومة، التي قد تجتمع معها كل جبهات المقاومة، بل والدول الإقليمية، إيران وتركيا وربما غيرهما، ذلك أن توسيع إسرائيل لحدودها واعتداءاتها وعدائها الذي لم يعد مقتصرا على فلسطين، سيوحد أعداءها ضدها، رغم ما بينهم من خلافات وصراعات وتناقضات.