خاص|| عباس يبدد آمال جيل كامل.. تأجيل الانتخابات يفجّر غضب الشارع الفلسطيني
نشر بتاريخ: 2026/10/11 (آخر تحديث: 2026/10/11 الساعة: 22:46)

تقرير: علي أبو عرمانة - لم يكن قرار تأجيل الانتخابات التشريعية  الفلسطينية مجرد تغيير في موعد استحقاق انتخابي، بل أعاد إلى الواجهة أزمة تجديد الشرعيات السياسية، وفتح الباب أمام تساؤلات متجددة بشأن قدرة المواطن الفلسطيني على التأثير في شكل قيادته ومؤسساته، بعد سنوات طويلة من غياب الانتخابات العامة.

وبينما تستند المبررات الرسمية للتأجيل إلى الظروف السياسية والميدانية والقيود التي تعترض إجراء الانتخابات، تتصاعد الانتقادات السياسية والشعبية للقرار، وسط مخاوف من أن يتحول الموعد الجديد إلى محطة أخرى في مسار التأجيل المتكرر، على غرار ما حدث عام 2021.

وفي تصريحات خاصة لـ«الكوفية»، رأى كتاب ومحللون سياسيون وممثلون عن قوى فلسطينية ومواطنون في قطاع غزة أن القرار يثير إشكاليات تتجاوز موعد الاقتراع، لتطال الثقة بالمؤسسات السياسية، وحق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم، وفرص إحداث تغيير في النظام السياسي الفلسطيني.

مصطفى إبراهيم: التأجيل لم يكن مفاجئًا

وقال الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم، في تصريحات خاصة لـ«الكوفية»، إن قرار تأجيل الانتخابات لم يكن مفاجئًا، في ظل حالة عدم اليقين التي سادت خلال الأشهر الماضية، منذ الإعلان عن موعد الانتخابات المقرر في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

وأوضح إبراهيم أن الجدل بشأن التأجيل تزامن مع مشاورات سياسية وحديث عن تشكيل تحالفات بين قوى وفصائل فلسطينية، إلى جانب مبادرة تقدمت بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لتأجيل الانتخابات لفترة زمنية.

ورأى أن المبادرة لم تأتِ بمعزل عن حركة فتح، مرجحًا وجود تنسيق بشأنها، في قراءة تعكس حجم التعقيدات السياسية التي أحاطت بالاستحقاق الانتخابي قبل الإعلان عن تأجيله.

ويعيد هذا الطرح النقاش إلى طبيعة الحسابات السياسية التي رافقت التحضيرات للانتخابات، ومدى تأثير مواقف الفصائل وتوازنات القوى في مصير الاستحقاق، في ظل غياب توافق وطني يضمن إجراء الانتخابات في موعدها.

إياد رابعة: القرار عمّق أزمة الثقة

من جانبه، قال المحلل السياسي الدكتور إياد رابعة، في تصريحات خاصة لـ«الكوفية»، إن قرار تأجيل الانتخابات لمدة عام أثار ردود فعل غاضبة في الشارع الفلسطيني، الذي كان يتطلع إلى إجراء الاقتراع بوصفه مدخلًا للتغيير وتجديد شرعيات النظام السياسي.

وأضاف رابعة أن المواطنين كانوا يأملون أن تتيح الانتخابات فرصة لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد شرعية مؤسساته، معتبرًا أن قرار التأجيل أسهم في تعميق انعدام الثقة بين المواطن والمؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية، وكذلك بين الشارع والأحزاب التي تعاملت بإيجابية مع القرار.

وتعكس هذه القراءة جانبًا من التداعيات السياسية للتأجيل، إذ لا يقتصر أثره على تأخير موعد التصويت، بل يمتد إلى العلاقة بين المجتمع والقوى السياسية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استعادة ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية ومؤسسات التمثيل الوطني.

الجبهة الديمقراطية: التأجيل إلغاء مقنّع

بدوره، أكد محمود خلف، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، رفض الجبهة قرار تأجيل الانتخابات، معتبرًا أن التأجيل يعني عمليًا إلغاء الاستحقاق، كما حدث عام 2021.

وقال خلف، في تصريحات خاصة لـ«الكوفية»، إن الجبهة لا ترى مبررًا مقنعًا لهذا القرار، مشددًا على أن الانتخابات حق طبيعي للمواطن الفلسطيني واستحقاق طال انتظاره، ولا سيما في ظل غياب مسوغات نظامية أو قانونية مقنعة، وفق موقف الجبهة.

ويضع هذا الموقف مسألة التأجيل في صلب الخلاف السياسي الفلسطيني، بين من يتمسك بالظروف القائمة مبررًا لإرجاء الانتخابات، ومن يرى أن معالجة العقبات ينبغي أن تتم من خلال التوافق والضغط لتوفير شروط الاقتراع، لا تعليق الحق الانتخابي إلى أجل جديد.

غضب واسع.. «نريد من يمثلنا»

وفي قطاع غزة، عبّر مواطنون تحدثوا إلى «الكوفية» عن خيبة أملهم من قرار التأجيل، مؤكدين أن الانتخابات كانت تمثل فرصة لتجديد التمثيل السياسي وإحداث تغيير في واقع يرزح تحت وطأة الحرب والدمار والأزمات المعيشية.

وقال أحد المواطنين إن حق الشعوب في اختيار ممثليها في البرلمان والرئاسة حق أصيل، معتبرًا أن تأجيل الانتخابات يصادر حق الفلسطينيين في تقرير من يمثلهم، ويُبقي المؤسسات السياسية بعيدًا عن إرادة الناخبين.

وأضاف أن الفلسطينيين خاضوا نضالًا طويلًا من أجل قضيتهم الوطنية، لكن أجيالًا متعاقبة حُرمت من المشاركة في الانتخابات العامة، في ظل استمرار غياب المجلس التشريعي المنتخب منذ عام 2006، وعدم إجراء انتخابات رئاسية منذ عام 2005.

من جهته، عبّر مواطن آخر عن استيائه من القرار، مشيرًا إلى أن سكان غزة كانوا يعوّلون على الانتخابات بوصفها فرصة للخروج من الواقع الصعب، والمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب، وتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية.

وقال إن تأجيل الانتخابات بدّد آمالًا واسعة في التغيير، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى قيادة تهتم بأوضاع المواطنين والشباب، وتضع المستقبل والإصلاح في مقدمة أولوياتها.

كما دعا مواطنون إلى توحيد المواقف الفصائلية والضغط من أجل إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن، بدلًا من انتظار الموعد الجديد، محذرين من أن استمرار تعطيل الاقتراع يفاقم الإحباط، ويقوّض ثقة الأجيال الشابة بإمكانية التغيير عبر الوسائل الديمقراطية.

أزمة تتجاوز الموعد الانتخابي

وتعيد ردود الفعل على قرار التأجيل طرح قضية الشرعية السياسية الفلسطينية، في ظل استمرار غياب الانتخابات العامة منذ نحو عقدين، وما يرافق ذلك من تحديات تتعلق بتمثيل المواطنين وتجديد المؤسسات وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية.

وفي الوقت الذي تفرض فيه الأوضاع الميدانية والسياسية تحديات حقيقية أمام إجراء انتخابات شاملة، تبقى القضية الأساسية مرتبطة بوجود إرادة سياسية لتجاوز العقبات، وتوفير ضمانات واضحة تحول دون تكرار التأجيل، بما يضمن حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم بحرية.

وبين المبررات الرسمية والاعتراضات الفصائلية والغضب الشعبي، يظل التحدي أمام القيادة والقوى الفلسطينية هو استعادة ثقة المواطنين، وعدم تحويل الموعد الانتخابي الجديد إلى محطة مؤجلة أخرى، في مسار يحتاج إلى تجديد الشرعيات وإنهاء الانقسام وإعادة الاعتبار لإرادة الناخب الفلسطيني.

فبعد سنوات طويلة من غياب صناديق الاقتراع، لم يعد مطلب الانتخابات مجرد استحقاق دوري، بل بات جزءًا من معركة أوسع لاستعادة حق الفلسطينيين في المشاركة السياسية، ومحاسبة قياداتهم، وتحديد مستقبل مؤسساتهم بإرادتهم الحرة.