في السابع من أكتوبر يعود الناس إلى ذاكرتهم عن الحياة، لكنهم لا يجدون الحياة في مكانها.
ثلاث سنوات على حرب الإبادة في غزة، وما زالت المسافة بين صباحين تُقاس بمن استشهد وبما تهدّم، وبالأشياء الصغيرة التي كانت تصنع يوماً عادياً، قبل أن تصبح الأمنيات بعيدة: باب يُغلق، ماء يصل، سرير للنوم، وعائلة تلتئم.
كيف تحسب غزة ثلاث سنوات؟. بأي ساعة يمكن قياس الزمن الذي يمرّ فوق عائلة تنتظر خبراً عن ابنها؟
وللزمن في الحرب إيقاع آخر؛ قد تنقضي أشهر بلا ملامح، بينما تبقى دقيقة واحدة مفتوحة في الذاكرة، تعود بكل صوتها وغبارها كلما أغمضت غزة عينيها.
قبل الحرب، كانت غزة حاضرة بتفاصيلها دون أن تختصرها صفة واحدة.
فيها طلبة يفكرون في امتحانهم، وعمّال يحسبون ما تبقّى من راتبهم، وصحافيون يبحثون عن حكاية.
كانت هناك مشاجرات صغيرة، وخطط مؤجلة، وأحاديث على عتبة البيت وصخب الحياة.. ثم اتسعت الحرب حتى احتلت التفاصيل كلها، وصار على غزة برجالها ونسائها إعادة ترتيب العالم حول سؤال البقاء.
البيت في الذاكرة أكثر من جدران، لأنه تعريف بمكان الأشياء والقدرة على الوصول إليها دون تفكير.. من أي نافذة تَدخل شمس الصباح، وأين دواء مرضى العائلة، وفي أي درج تختبئ الأوراق.. حين يُقصف البيت يتبعثر النظام، وتصبح الحياة مكشوفة للريح ولعيون الآخرين.
حين القصف تحتار العائلة فيما عليها أن تحمل وما تتركه وراءها من أشياء لا وزن لها في ميزان النجاة، لكنها عزيزة وضرورية: صورة، أوراق عليها ملاحظات مبعثرة، ومشط سخيف ومنديل مبلل، ثياب مؤجل موعد ارتدائها لمناسبة سعيدة.
من السهل أن نصف غزة بالقوة ونحن ننظر من بعيد. أن نكتب عن صمودها ثم نمضي. لكن ماذا تقول غزة في هذا المديح حين تُطالب باحتمال ما يفوق طاقة البشر؟ لغزة الحق أن تقول إنها تعبت، وإنها تخاف من اليقين الذي لا تعرفه، وإنها لا تعرف كيف ستدبّر الغد.
لها حق أن تحتاج إلى المساعدة دون أن تشعر بأنها خذلت الصورة التي رسمناها لها. لا ينبغي أن يصبح إعجابنا بقدرتها على الاحتمال مبرراً لتركها وحيدة.
وحين يفقد رجل من يُحب، يبقى عليه أن يتعامل مع العالم الذي يواصل طلب صورة البطل منه.
أوراق ضاعت ينبغي استخراج بدائلها، وأطفال ينبغي رعايتهم، وطعام ينبغي توفيره. قد يسأله صحافي لحوح عن احتياجاته العاجلة، وقد يكون احتياجه الذي لا يستطيع قوله أن يسمع صوتاً انقطع، أو أن يجلس قليلاً دون مسؤولية، أو أن يجد من يصغي إلى حكايته كاملة، بما فيها من غضب وأسئلة لا جواب لها.
لا تسأل غزة عن النزوح، حيث تُطالب المرأة بأن تخلق بيتاً حيث لا توجد شروط البيت.
أن تجد موضعاً للنوم، وأن تتدبّر الماء والطعام، وأن تحفظ خصوصية بناتها، وأن تطمئن الأطفال وهي تحتاج إلى من يطمئنها.
تحمل الخوف مع الأمتعة، وتبحث عن مكان تضع فيه تعبها فلا تجده.
حتى البكاء أصبح يحتاج إلى فسحة، وإلى لحظة لا يحتاجها أحد.
لقد أصابت الإبادة المرأة في أعمق مواضعها: في الأمان، وفي الجسد، وفي القدرة على الاختيار.
صار الحيْض عبئاً إضافياً حين تغيب المياه والخصوصية، وصار الحمل محفوفاً بالخوف حين يضيق الوصول إلى المستشفى والرعاية.
وتتضاعف قسوة النزوح على المسنّات وصاحبات الإعاقة وعلى ربات الأسر.. لكل واحدة حكايتها واحتياجاتها، ولا تجمع همومهن صورة واحدة مهما كانت مؤثرة.
ومع ذلك، تحاول غزة الاحتفاظ بجزء من الحياة التي عرفتها: تمشّط شعرها وتتقاسم اللقمة مع جيرانها، وتجلس مع أطفالها محاولة أن تستعيد معهم حرفاً أو درساً على أمل أن تحفظ هذه الأفعال صلتها بحياة الإنسان، رغم أنها لا تجعل الخيمة مقبولة، ولا تحوّل الحرمان إلى حياة يمكن التعايش معها إلى ما لا نهاية.
بعد ثلاث سنوات، ماذا يعني أن نتذكر نحن الفلسطينيين في كل مكان؟
أن نعيد عرض صور الألم ثم نطويها مع انتهاء المناسبة؟ أم أن نحمل ما تقوله غزة إلى السؤال السياسي: من يحميها ومن يوقف الجريمة؟ ومن يضمن أن يكون لها ولنا صوت في تقرير المستقبل؟ فغزة التي حملت نفسها خلال الحرب تملك معرفة وخبرة ورأياً، وتستحق أن تشارك في القرار بشأن العودة والإعمار وتحقيق العدالة.
في السابع من أكتوبر، لا نملك أن نطلب من غزة التي فقدت بيوتها وأحبابها أن تقدّم لنا خاتمة متفائلة.. لكن غزة في كل الأحوال تستحق الحصول على صباح لا تبدؤه بحساب الأخطار الشاملة المحيطة.. تستحق أن تحصل على نافذة تفتحها صباحاً، تستحق أن تضع الماء على النار، وتنادي أبناءها بأسمائهم، قبل أن تلتفت إلى يومها.. يوم تكون فيه الحياة واسعة بما يكفي لتعيشها، لا لتنجو منها فقط.