ناخبون ومرشّـحون
نشر بتاريخ: 2026/09/28 (آخر تحديث: 2026/09/28 الساعة: 15:52)

اعتاد الناخب الفلسطيني (والعربي عموماً) على منح صوته في صندوق الاقتراع وفق معيارين: ينتخب قريبه أو ابن عشيرته بصرف النظر عن مؤهلاته وصفاته.. أو ينتخب كتلة الحزب الذي ينتمي إليه أو يؤيده، وأيضا بصرف النظر عن الأسماء والبرامج.. لنفترض أن هذه الشريحة لا تمثل الأغلبية، لنأخذ الشريحة الأوسع التي تحسم خيارها في اللحظة الأخيرة، هؤلاء ينتخب معظمهم وفق الدعاية الأكثر نجاحا وانتشارا بصرف النظر عن الحقيقة، متأثرين بآخر حدث.. أو بمنطق المناكفة، بمعنى أن الناخب لا يقرأ برنامج الحزب أو القائمة التي يعوّل عليها، أو التي يحمل تجاهها مشاعر السخط والإحباط ويذهب مباشرة للجهة الأخرى، أي أنه يُنزل عقوبة بحق الجهة التي يعاديها أو التي خيبت أمله وينتخب منافسها.. هذا حدث فعليا في انتخابات التشريعي 2006.

هذه العقلية تنسحب أيضا على المرشحين أنفسهم، فنجد بعض الكتل الانتخابية تتموضع على الجانب الذي يداعب عواطف الجمهور، وهنا لا تقدم الكتلة نفسها بوصفها صاحبة برنامج مستقل وواضح بقدر ما تطرح نفسها في مواجهة الخصم (الذي تعتقد أن الجمهور ساخط عليه) وكأنها تعرّف عن نفسها من خلال هوية النقيض. فنجد الكتل تختار خصمها قبل أن تبلور برنامجها المستقل وتقدم وعودها للناخبين، وقبل أن تختار الحليف.

بإسقاط هذه الفرضية على الحالة الفلسطينية الراهنة سنجد أن ما يغري الكتل السياسية للترشح هو إحساسها بحالة السخط ومشاعر إحباط الجمهور من السلطة ومن حركة فتح، معتقدة ومراهنة على أن غضبها من السلطة سينصب مباشرة لصالحها، بوصفها البديل. لذا، سنلاحظ قريبا جدا أن برامج ووعود المرشحين ستركز بصورة أساسية على نقد وتشخيص أخطاء السلطة (مع المبالغة والتضخيم إذا لزم الأمر، وغالبا سيلزم) والتركيز على إخفاق مشروعها السياسي، وعلى الأزمة الاقتصادية، وعلى الأرجح لن يقدموا تصورات عملية للحل، سيكتفون بعبارات غامضة ومطاطية وشعارات فضفاضة تداعب العواطف.

مشكلة هذا النهج أنه لا يقوم على مبدأ «ماذا نريد؟»، وما هو برنامجنا بالتفصيل، بل يراهن على توجهات الشارع المثقلة بذهنية «ماذا لا نريد».. هذا النهج في حال نجاحه يؤدي فقط إلى إسقاط الخصم، دون ضمانات وتفكير وتصور لما هو بعد إسقاطه. لأن إسقاطه في الحقيقة هو الهدف بحد ذاته.

طبعا، التخوفات من إسقاط السلطة تدل على ذهنية سطحية، ربما تعوزها الذكاء؛ فهل يُعقل أن الكتل السياسية (المعارضة للسلطة) ستشارك في الانتخابات، وتتحمل أعباءها، ثم تنجح، وتسيطر على البرلمان، وحينها ستقول: هذه سلطة فاشلة، ونعلن انسحابنا واستقالتنا!!. إذاً، الهدف هو السيطرة على السلطة، وهذا هدف مشروع، إذا كان القصد منه الإصلاح ومعالجة العيوب، واجتراح سياسة جديدة تقود إلى مخرج وانفراج.

وهنا، بصفتي ناخبا، قبل أن أقرر لمن سأمنح صوتي، سأفكر ملياً، وسأدرس برامج ومقترحات الكتل المتنافسة، وسأطرح عليها سؤالا مركزيا: إذا كان سخط الشارع على السلطة بسبب انغلاق الأفق السياسي وعدم التوصل إلى دولة بعد 30 سنة من أوسلو، وبسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وأزمة الرواتب والبطالة، وبسبب عجزها عن التصدي للاعتداءات المستوطنين، وعجزها عن تقديم ما يلزم لغزة، أثناء العدوان وبعده.. وبسبب ما يُقال عن الفساد والمحسوبيات.. أمام النقاط السابقة، ماذا ستقدم؟ ما هو برنامجك التفصيلي وآليات العمل؟ بماذا بالضبط ستختلف عن السلطة؟ وما هو الشيء الذي ستقدمه وعجزت عنه السلطة، أو تلكأت عن تنفيذه؟ وماذا يضمن ألا تكون نسخة مكررة عن السلطة، وربما أسوأ؟.

وإذا أضفنا أسئلة تتعلق بالموقف من «حماس»، ومن تسليم السلاح، والإصلاحات المطلوبة من السلطة، وشكل العلاقة مع إسرائيل، وأميركا، ودول الإقليم.. هل لدى الكتل المتنافسة إجابات واقعية ومنطقية تختلف عن وتتقدم على موقف السلطة الحالي؟

باعتقادي أن الإجابة الوحيدة التي قد تحمل قدرا من الواقعية والصدق ما يتعلق بموضوع مكافحة الفساد، عدا ذلك سندخل في دوامة الشعارات، والمزايدات، والوعود المثالية.. التي ستصطدم بصخرة الواقع عند أول اختبار.

علماً أن معظم الشعارات التي نطلقها بخفة ونصدقها بسذاجة تحتاج لتنفيذها مقدرات الجيش الأحمر، أو حلف الناتو.. وتذكّر دائما أنّ منطق المعارضة يختلف كليا عن منطق الحكم، وفي تجربتنا العربية حين تصل المعارضة للحكم تكون أسوأ من سابقتها.

بالمناسبة، ندرك تماما أن المجلس التشريعي مقيد بصلاحيات معينة، وله دور وظيفي محدد، عدا المحددات التي تقيد السلطة نفسها، ونعرف حدود الإمكانيات الفلسطينية، والضغوطات المسلطة على السلطة والشعب.. لذا لا أطالب الكتل الانتخابية بوعود لإيجاد حلول لتلك المعضلات.. وكل كتلة تقدم وعودا من هذا النوع سأعرف أنها تكذب وتزاود، أو أنها غير مدركة لطبيعة دورها.. لكن من حقي أن أعرف تصورات وموقف ورؤية كل مرشح من هذه النقاط.

الوعود التي سأطالب بها تنحصر في: العمل على استصدار قوانين وسن تشريعات معينة (سأتحدث عنها لاحقاً)، ومراقبة أداء الحكومة، ومحاسبتها، ومراقبة الموازنة العامة، وتكثيف العمل في مكافحة الفساد واجتثاثه، وحث الحكومة على تحسين أدائها في التعليم والصحة والبنية التحتية ومشاريع التنمية والاهتمام بالشباب وإنصاف المرأة، وانتظام الرواتب، وصرف مستحقات الموظفين.. اكتفوا بذلك، ويخلف عليكم.