تقرير: علي أبو عرمانة - في وقت تتواصل تداعيات الحرب التي انفجرت في المنطقة عقب السابع من أكتوبر 2023، تعيد معلومات جديدة نشرها الإعلام الإسرائيلي قراءة الأيام التي سبقت الهجوم، وتطرح سؤالًا محوريًا: هل كانت هناك تحذيرات مبكرة من انفجار وشيك، ومن بينها تحذير إماراتي وصل إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو؟
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة في ظل ما كشفته صحيفة «هآرتس» العبرية من تفاصيل حول تحركات دبلوماسية قادها رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان قبل الهجوم، في محاولة للدفع نحو التهدئة ومنع اتساع دائرة التصعيد.
وبحسب ما أوردته «هآرتس»، لم تكن المخاوف الإماراتية منفصلة عن المشهد العام في الأراضي الفلسطينية، حيث تصاعد التوتر في الضفة والقدس وقطاع غزة، بالتزامن مع غياب أفق سياسي واستمرار الإجراءات التي كانت تهدد بتوسيع دائرة المواجهة.
وتأتي هذه المعطيات في سياق أوسع من التحذيرات التي أطلقتها الدبلوماسية الإماراتية خلال عام 2023، والتي ركزت على خطورة انسداد الأفق السياسي، وتصاعد العنف، والإجراءات أحادية الجانب، وخطر تحول التوتر الفلسطيني الإسرائيلي إلى أزمة إقليمية أوسع.
كما كانت الرسائل الإماراتية تؤكد أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن فصله عن معالجة القضية الفلسطينية، وأن الاتفاقيات الإبراهيمية لا ينبغي أن تكون بديلًا عن حل القضية الفلسطينية، أو أن تأتي على حساب الاستقرار في الأراضي الفلسطينية.
ماذا قالت «هآرتس»؟
في إطار الجدل المتصاعد حول السابع من أكتوبر، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، كشفت «هآرتس» عن تحركات دبلوماسية قادها رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في الفترة التي سبقت السابع من أكتوبر عام 2023، محذرًا من خطورة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، ومن أن استمرار التصعيد من دون تحرك جاد للتهدئة يضع المنطقة أمام انفجار واسع.
وتقدم التفاصيل التي أوردتها الصحيفة صورة عن قراءة إماراتية مبكرة للمشهد، في وقت كانت فيه الضفة المحتلة تشهد تصعيدًا في العمليات العسكرية الإسرائيلية وعنف المستوطنين، بالتزامن مع توتر في القدس واحتقان متزايد في قطاع غزة.
ووفق ما نقلته «هآرتس» عن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، كان بن زايد يوجه باستمرار رسائل تؤكد ضرورة تهدئة الأوضاع ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، كما أرسل مبعوثًا خاصًا إلى الأراضي المحتلة للقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في تحرك عكس قلقًا إماراتيًا من انفجار يلوح في الأفق.
وقبل نحو أسبوع ونصف من السابع من أكتوبر، حسب «هآرتس»، أجرى بن زايد اتصالًا مع نتنياهو استمر نحو 45 دقيقة، حذر خلاله من خطورة المسار الذي تتجه إليه الأوضاع، ودعا إلى إيجاد حل قبل فوات الأوان.
ولم تقتصر المقاربة الإماراتية على التحذير، إذ دعا بن زايد، بحسب التحقيق، إلى تهدئة الأوضاع في الضفة وإيجاد حلول لقطاع غزة لمنع التصعيد، في رؤية اعتبرت أن استمرار الاحتقان وغياب مسار للتهدئة يمكن أن يقودا إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
وتكشف الصحيفة أن بن زايد لخص لاحقًا مخاوفه، خلال حديث مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وليام بيرنز، بأن المنطقة على وشك الانفجار، وأنه طلب من نتنياهو إيجاد حل.
وبعد أيام، وقع السابع من أكتوبر، لتدخل المنطقة في حرب واسعة امتدت تداعياتها إلى أكثر من ساحة.
وبعد نحو ثلاث سنوات، تعيد المعلومات التي تكشفها «هآرتس» قراءة تلك المرحلة من زاوية مختلفة، وتبرز دورًا إماراتيًا حاول استخدام قنوات الاتصال مع إسرائيل للدفع نحو خفض التصعيد وتهدئة الأوضاع في الضفة وغزة، والتحذير مبكرًا من انفجار ستتجاوز تداعياته الأراضي الفلسطينية إلى المنطقة بأكملها.
قناة المشهراوي – مشتهى
وفي سياق ذي صلة، أشارت صحيفة «هآرتس» إلى اتصال حدث في الثامن من أكتوبر بين القيادي في حماس روحي مشتهى والقيادي سمير المشهراوي، نائب رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، في محاولة للوصول إلى صيغة لوقف إطلاق النار والتعامل مع ملف المحتجزين.
وبحسب التحقيق، بادر المشهراوي خلال الاتصال إلى تقديم نصيحة بضرورة الإفراج عن المدنيين المحتجزين، خصوصًا الأطفال وكبار السن، معتبرًا أن استمرار احتجازهم مضر بنضال الشعب الفلسطيني، وأن المطلوب إطلاق سراحهم دون قيد أو شرط ودون أي مقابل، وأن ذلك يمثل وجهة نظر قيادة تيار الإصلاح الديمقراطي.
وخلال ساعات، عاد مشتهى إلى المشهراوي وأبلغه بأنه وضع يحيى السنوار في صورة النصيحة المقدمة من دحلان والمشهراوي، وأن السنوار أبدى استعداده للإفراج عن المدنيين دون قيد أو شرط ودون مقابل.
وكان تنفيذ ذلك يتطلب فتح قناة اتصال مع الجانب الإسرائيلي، إلى جانب وقف إطلاق النار لعدة ساعات بما يسمح بتنفيذ عملية الإفراج عن المدنيين.
وتقول الصحيفة إن هذه الرسائل نُقلت إلى الجانب الإسرائيلي، لكن الرد الذي وصل كان أن نتنياهو لم يكن راغبًا في الدخول في مفاوضات في تلك المرحلة، وأن الأولوية الإسرائيلية كانت للحرب والقضاء على حماس واستعادة المحتجزين بالقوة.
وفي 10 أكتوبر، عاد مشتهى واتصل بالمشهراوي للاستفسار عن الرد الإسرائيلي، قبل أن يؤدي تصاعد الحرب والقصف إلى تعقيد استمرار هذه القناة.
من التحذير إلى السؤال الأكبر
وتفتح هذه المعطيات سؤالًا يتجاوز مضمون التحذير نفسه: ماذا حدث لهذه الرسائل بعد وصولها إلى القيادة الإسرائيلية؟
فبحسب التقارير العبرية، نفت حكومة نتنياهو تلقي تحذير إماراتي مباشر بهذا الشكل، ووصفت رواية «هآرتس» بأنها غير صحيحة، بينما أشارت في الوقت ذاته إلى أن المعلومات ذات الصلة كان يمكن أن تنتقل عبر القنوات الاستخباراتية بين البلدين.
كما نقلت تقارير أخرى عن مسؤولين إسرائيليين سابقين أنهم لم يكونوا على علم بمثل هذا التحذير.
وبذلك، فإن القضية المطروحة حاليًا في «إسرائيل» لا تتعلق فقط بما إذا كان التحذير قد وصل، وإنما أيضًا بما إذا كانت التحذيرات المتعددة التي سبقت 7 أكتوبر قد حظيت بالتقدير والاستجابة المناسبين.
الموقف الإماراتي
إلى ذلك، امتنعت دولة الإمارات العربية المتحدة عن التعليق على تقرير «هآرتس»، مشددة على أنها لا تعلق على ما يُنشر في وسائل الإعلام من تقارير أو تكهنات بشأن المحادثات بين قادة الحكومات.
وقالت وزارة الخارجية الإماراتية في بيان، إن جهود الإمارات منذ هجوم 7 أكتوبر «تركزت على خفض التصعيد، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، والحد من العنف»، مشيرة إلى أن الجهات الحكومية الإماراتية والإسرائيلية حافظت، منذ إقامة العلاقات بين البلدين قبل أكثر من خمس سنوات، على «قنوات اتصال مفتوحة ومباشرة».
وأكدت الوزارة أنه «عند الحاجة، جرى ولا يزال تبادل جميع المعلومات الاستخباراتية ذات الصلة بين الجهات المعنية».
الرسالة الأوسع
وتكشف هذه المعطيات عن رؤية إماراتية مبكرة لطبيعة أزمات المنطقة، تقوم على أن منع الانفجار يبدأ بمعالجة أسبابه قبل أن يتحول إلى حرب، وأن الحوار وفتح قنوات الاتصال يمكن أن يكونا أدوات فاعلة لاحتواء النزاعات.
ولم تقتصر هذه المقاربة على التحذير من تداعيات التصعيد، بل امتدت إلى التحرك السياسي والوساطة وطرح مسارات للحلول، بما عزز حضور الإمارات كطرف إقليمي قادر على التواصل مع مختلف الأطراف والمساهمة في إدارة الأزمات والدفع نحو التهدئة.
ومن هذا المنظور، تبدو الرسالة الأوسع في التحرك الإماراتي أن السلام لا يُنتظر حتى تضع الحروب أوزارها، بل يبدأ بالمبادرة المبكرة، وفتح قنوات الحوار، ومعالجة جذور الصراع.
وهي مقاربة تضع الإمارات في موقع محوري ضمن جهود احتواء النزاعات وتعزيز الاستقرار، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن أمن المنطقة واستقرارها يظلان مرتبطين بإيجاد حل عادل ومستدام للقضية الفلسطينية.