مستقبل فتح بين إرث التاريخ ومشروع النهوض
نشر بتاريخ: 2026/08/26 (آخر تحديث: 2026/08/26 الساعة: 15:46)

لا يمكن الحديث عن مستقبل حركة فتح دون العودة إلى جوهرها التاريخي، لأن فتح لم تكن يومًا مجرد سلطة أو مقر أو وظيفة، بل كانت مشروع تحرر وطني وحركة جماهيرية قادت النضال الفلسطيني لعقود، واستندت شرعيتها إلى التصاقها بالناس في المخيم والمدينة والمنفى، هذا الإرث العظيم هو المقياس الحقيقي الذي يجب أن نحاكم به كل مرحلة.

واليوم تقف الحركة أمام مفترق طرق تاريخي، فمن جهة هناك نموذج فتح المقاطعة التي يمثلها السيد محمود عباس، وهو نموذج وصل إلى نهاية طريقه السياسي، فعلى مدار سنوات انفصل تدريجيًا عن الشارع، واحتكر القرار، وفقد القدرة على تمثيل المزاج الوطني العام، وقد جاءت حرب غزة الأخيرة لتكشف حجم هذه الفجوة بشكل لا يمكن تجاهله، ففي الوقت الذي كان فيه الشعب يخوض معركة وجود، كان هذا النموذج غائبًا عن الميدان، بلا مبادرة سياسية وبلا حضور إنساني حقيقي، مما أفقده ما تبقى من رصيده الأخلاقي والتنظيمي.

في المقابل، برزت فتح أخرى، هي التي أعادت الاعتبار لإرث الحركة، فتح الميدان التي تجسدت في تيار الإصلاح الديمقراطي لحركة فتح، هذا التيار لم يتعامل مع الحرب كحدث فقط، بل كمسؤولية وطنية مباشرة، فكان حاضرًا بين الناس عبر شبكات الدعم والإغاثة والعمل اليومي المتواصل، ومن هنا، من صموده إلى جانب أبناء شعبه، استمد شرعيته الحقيقية، شرعية لا تمنح بقرار، بل تكتسب بالموقف، ولهذا السبب فإن الحديث الدائر عن مصالحة داخلية تعيد دمج التيارين في إطار واحد وتحت مظلة القيادة الحالية هو طرح مرفوض سياسيًا وتنظيميًا، لأن المصالحة التي لا تقوم على مراجعة جذرية للنهج، وعلى قطيعة واضحة مع سياسات الإقصاء والتهميش وقطع الرواتب والابتعاد عن هموم الناس، ليست مصالحة، بل هي محاولة لإعادة إنتاج نفس الأزمة التي أوصلت فتح إلى هذا المأزق، لأن الشارع الفتحاوي لا يبحث عن تسوية شكلية، بل يبحث عن مشروع نهوض حقيقي.

إن مشروع النهوض هذا له عنوان واضح، لإعادة فتح إلى موقعها الطبيعي كقائدة للمشروع الوطني، يتمثل في قيادة تملك الرؤية والقدرة والشبكة السياسية والإقليمية، قيادة تفهم لغة المرحلة وتستطيع أن تخاطب الداخل والخارج في آن واحد لقيادة هذه المرحلة الانتقالية.

فتح تحتاج لشخصية وطنية تمثل التقاطع بين إرث التاريخ ومتطلبات المستقبل، شخصية تملك مشروعًا سياسيًا واقعيًا قادرًا على انتشال فتح من حالة الجمود، وإعادة بنائها كحركة قوية موحدة وقريبة من الناس، قادرة على استعادة مجدها وتاريخها الوطني المشرف.