ائتلاف أمان يكشف عن هشاشة منظومة الحوكمة في إدارة قطاع البترول الفلسطيني
نشر بتاريخ: 2026/07/23 (آخر تحديث: 2026/07/23 الساعة: 18:00)

أصدر الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" تقدير موقف بعنوان "حوكمة قطاع البترول الفلسطيني... لم يعد يحتمل التأجيل"، اعتبر فيه أن أزمة المحروقات الأخيرة في الضفة الغربية كشفت مجددًا هشاشة منظومة الحوكمة في إدارة قطاع البترول الفلسطيني، وأعادت طرح أسئلة تتعلق بكيفية إدارة هذا القطاع، وآليات الرقابة على أدائه، ومدى توافر الإطار المؤسسي والقانوني الكفيل بحماية المال العام وضمان أمن الطاقة ومنع إساءة استخدام السلطة لتحقيق مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة.

وقال الائتلاف إن ما شهدته السوق الفلسطينية لا ينبغي النظر إليه بوصفه أزمة ناجمة عن ظروف مؤقتة فقط، بل باعتباره نتيجة لمسار طويل من التردد في إرساء منظومة حوكمة متكاملة، الأمر الذي أدى إلى تأخر الإصلاحات المؤسسية واستمرار إدارة أحد أهم القطاعات الاقتصادية عبر وزارة المالية، بما يشمل رسم السياسات والمتابعة والإشراف والتنفيذ، في نموذج لم ينجح في ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والفصل بين السلطات التنظيمية والتنفيذية والرقابية.

وأضاف أن الأزمة أثبتت أن استمرار إدارة قطاع البترول بالأدوات ذاتها التي حكمته طوال العقود الماضية لم يعد مقبولًا، وأن الإصلاح أصبح ضرورة وطنية لحماية المال العام ومنع الفساد بأشكاله المختلفة، بما يشمل الفساد في القطاع الخاص، وتعزيز صمود الاقتصاد الفلسطيني.

وأشار "أمان" إلى أن قطاع البترول ظل يُدار منذ إنشاء السلطة الفلسطينية لعقود دون إطار قانوني متكامل، إذ مارست الهيئة العامة للبترول صلاحيات واسعة قبل صدور أول قانون ينظم عملها عام 2023، بعد أكثر من ربع قرن من الفراغ التشريعي، معتبرًا أن هذا الواقع أدى إلى تركّز الصلاحيات وغياب الفصل بين رسم السياسات والإشراف والرقابة والتنفيذ، وهو ما أضعف أدوات الرقابة وأخر بناء منظومة حديثة لإدارة المخاطر والأزمات.

وفي هذا السياق، توقف الائتلاف عند قرار مجلس الوزراء الصادر في 25 أيار/مايو 2026 بالمصادقة على تشكيل مجلس إدارة تأسيسي لـ"الشركة الوطنية للمحروقات"، وهي شركة حكومية تهدف إلى تعزيز الاستثمار في القطاع وتنظيم السوق وتنويع مصادر الإمدادات، معتبرًا أن هذه الخطوة تعكس توجهًا حكوميًا لإعادة هيكلة القطاع، لكنها تستوجب توضيح العلاقة بين الشركة والهيئة العامة للبترول، وكذلك العلاقة مع القطاع الخاص.

وأكد أن عمليات شراء المحروقات وتخزينها ينبغي أن تتولاها شركة حكومية منفصلة، في حين يقتصر دور الهيئة العامة للبترول على تنظيم القطاع، بما لا يؤثر في دور القطاع الخاص في التوزيع والاستثمار، وبما يعزز المنافسة ويرفع كفاءة الخدمات، إلى جانب تعزيز الإفصاح والشفافية في عقود واتفاقيات تزويد الوقود، وضمان معايير النزاهة في العطاءات والعقود التي قد تبرمها الدولة مع الشركات الخاصة، ولا سيما الدولية.

ورأى الائتلاف أن ضعف الحوكمة يفتح الباب أمام الفساد ويعزز مراكز النفوذ، مؤكدًا أن الفساد لا ينشأ في الفراغ، وإنما ينمو في البيئات التي تغيب فيها الحوكمة الرشيدة؛ لأن مركزة السلطة تضعف المساءلة وتتيح المجال لارتكاب التجاوزات.

وأشار في هذا الإطار إلى قضية الرئيس الأسبق للهيئة العامة للبترول، حربي صرصور، وما تبعها من حالات فساد داخل الهيئة، معتبرًا أنها شكلت أوضح المؤشرات على المخاطر الناتجة عن ضعف الرقابة المؤسسية، وكان يفترض أن تكون نقطة تحول نحو إصلاح جذري لمنظومة الحوكمة، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة القضايا بعد وقوعها.

وأضاف أن استمرار الاختلالات في إدارة القطاع أدى تدريجيًا إلى تنامي نفوذ بعض الفاعلين الاقتصاديين العاملين في قطاع المحروقات، بصورة أوجدت اختلالاً في العلاقة بين الدولة والسوق، موضحًا أن المشكلة لا تكمن في دور القطاع الخاص بحد ذاته، وإنما عندما تصبح قوة بعض الفاعلين الاقتصاديين ناتجة عن ضعف التنظيم أو غياب المنافسة العادلة أو هشاشة المؤسسات العامة، بما يمنحهم قدرة على التأثير في القرار العام أو فرض وقائع لا تنسجم مع المصلحة العامة.

وأكد الائتلاف أن الأزمة الحالية يجب ألا تنتهي بانتهاء طوابير المركبات أمام محطات الوقود، وإنما ينبغي أن تكون نقطة انطلاق لإصلاح مؤسسي شامل يعالج جذور المشكلة، مشددًا على أن إدارة قطاع البترول يجب أن تقوم على أسس الحوكمة الرشيدة، بما يشمل الفصل بين رسم السياسات والتنظيم والتنفيذ، وتعزيز استقلالية الرقابة، وتوسيع نطاق الإفصاح، ومنع تضارب المصالح، وضمان المنافسة العادلة، وإدارة المخاطر وفق معايير مؤسسية واضحة.

وفيما يتعلق بالقضية المتداولة حاليًا بشأن أحد رجال الأعمال العاملين في قطاع المحروقات، اعتبر "أمان" أنها تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الدولة بمبادئ سيادة القانون، مؤكدًا أن مكافحة الفساد لا تتحقق عبر الحملات الإعلامية أو تداول الشائعات، ولا من خلال تسويات أو تفاهمات خارج المنظومة القضائية.

وشدد على أنه إذا وجدت شبهات بارتكاب جرائم اقتصادية أو أفعال فساد أو اعتداء على المال العام، فإن معالجتها يجب أن تتم حصرًا من خلال تمكين النيابة العامة والقضاء من ممارسة اختصاصاتهما كاملة، بعيدًا عن أي تدخلات أو ترتيبات موازية، بما يضمن مساءلة كل من يثبت تجاوزه للقانون، محذرًا من أن أي مسار بديل عن القضاء يضعف ثقة المواطنين بمنظومة العدالة ويقوض مبدأ المساواة أمام القانون.

ودعا الائتلاف، في ختام تقدير الموقف، إلى إطلاق مراجعة وطنية شاملة لمنظومة حوكمة قطاع البترول الفلسطيني، واستكمال إعادة هيكلة القطاع بما يحقق الفصل بين رسم السياسات والتنظيم والرقابة والتنفيذ، وتعزيز الشفافية في جميع مراحل إدارة القطاع، بما يشمل الإفصاح عن العقود وآليات التسعير والمخزون الاستراتيجي والبيانات المالية، بما لا يمس الاعتبارات الأمنية أو التجارية المشروعة.

كما طالب بمراجعة البيئة التنظيمية للقطاع بما يمنع الاحتكار ويحد من تضارب المصالح ويضمن المنافسة العادلة، وتمكين مؤسسات الرقابة الرسمية من ممارسة اختصاصاتها باستقلالية وفاعلية، وتعزيز الرقابة المجتمعية، والتأكيد على أن جميع القضايا المرتبطة بقطاع البترول، بما فيها القضية المتداولة حالياً، يجب أن تعالج حصرًا عبر القضاء والنيابة العامة، مع رفض أي تسويات أو ترتيبات خارج إطار القانون تمس المال العام أو تؤثر في سير العدالة أو تستخدم لتصفية الحسابات مع أشخاص، إلى جانب وضع استراتيجية وطنية لأمن الطاقة وإدارة المخاطر تكفل استدامة الإمدادات وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات المستقبلية.

وختم "أمان" تقدير موقفه بالتأكيد على أن حماية قطاع البترول لا تقتصر على حماية سلعة اقتصادية، وإنما تمتد إلى حماية المال العام، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات، وضمان قدرة الدولة على إدارة أحد أكثر القطاعات حساسية واستراتيجية، مؤكدًا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تصبح الحوكمة وسيادة القانون المرجعية الوحيدة لإدارة هذا القطاع، بعيدا عن الشخصنة والمصالح الضيقة والحلول المؤقتة، وأن الدول تُبنى بمؤسسات قوية لا بأشخاص أقوياء، وأن قطاع البترول سيظل عرضة للأزمات ما لم تُستكمل إصلاحات الحوكمة التي تأخرت لعقود.