"على ضفاف الذاكرة"
نشر بتاريخ: 2026/07/11 (آخر تحديث: 2026/07/12 الساعة: 01:42)

غسان كنفاني: من أدب المنفى إلى ذاكرة الثقافة

في ذاكرة الشعوب محطات لا تقاس بما مضى عليها من سنوات، بل بما تركته من أثر في الوعي الإنساني. ومن بين تلك المحطات، يقف الثامن من تموز 1972 علامةً فارقة في التاريخ الثقافي الفلسطيني؛ ففي ذلك اليوم اغتيـل الأديب والصحفي والمفكر الفلسطيني غسان كنفاني، لكن الرصاص الذي استهدف جسده لم يستطع أن يطال الفكرة التي آمن بها، ولا الكلمة التي جعل منها مشروعاً لبناء الوعي وصون الهوية.

لم يكن اغتيال غسان كنفاني استهدافاً لكاتب روائي فحسب، بل كان استهدافاً لدور المثقف في تشكيل الوعي الجمعي. فمن يقرأ سيرته يدرك أن حضوره تجاوز حدود الأدب إلى فضاء أوسع، حيث التقت الثقافة بالتاريخ، والكتابة بالهوية، والسرد بالدفاع عن الحق الإنساني في الذاكرة والانتماء. لقد أدرك كنفاني مبكراً أن الصراع لا يدور حول الأرض وحدها، بل حول الرواية التي تُكتب عنها، وأن من يمتلك القدرة على رواية قصته يمتلك جزءاً مهماً من حقه في الوجود.

ولهذا لم يكن غريباً أن يبقى حاضراً في الدراسات الأدبية، والأبحاث التاريخية، والنقاشات الفكرية، بعد أكثر من خمسة عقود على رحيله. فالأفكار التي تنطلق من الحقيقة لا تخضع لعمر أصحابها، بل تواصل رحلتها عبر الأجيال، لتصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية للأمم.

لقد كتب غسان كنفاني ذات مرة: “إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين.” ولعل هذه العبارة تختزل مسؤوليتنا اليوم؛ فالسؤال لم يعد متعلقاً بكيفية رحيل المثقف، بل بكيفية الحفاظ على إرثه الفكري، وصيانة ما تركه من معرفة، وتحويل الذاكرة إلى مشروع ثقافي مستدام، لا إلى مناسبة موسمية عابرة.

لقد أثبت التاريخ أن "الكلمة الحرة" قد تؤدي دوراً بالغ التأثير في تشكيل الوعي، وأن الكتابة ليست فعلاً هامشياً، بل ممارسة حضارية قادرة على حماية الهوية من التزييف، وصون الذاكرة من النسيان. فالرصاصة قد تُنهي حياة إنسان، لكنها لا تستطيع إخماد فكرة استقرت في العقول، ولا محو نص أصبح شاهداً على عصره.

ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ”المقاومة الثقافية”، وهي ليست خطاباً انفعالياً أو دعوة إلى المواجهة، بل فعلاً معرفياً وأخلاقياً يقوم على البحث العلمي، والتوثيق الدقيق، وحفظ الأرشيف، وكتابة التاريخ بأدوات المنهج الرصين، وإنتاج الأدب والفكر القادرين على حماية الحقيقة من التحريف. إنها مقاومة معرفية تبني الإنسان قبل أن تخاطب العالم، وتؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً، وإنما إحدى ركائز الصمود الحضاري.

واليوم، في ظل التحولات الرقمية الهائلة، لم تعد معركة الوعي تُخاض في (الكتب) وحدها، بل امتدت إلى (المنصات الرقمية)، ووسائل الإعلام، والأرشيف الإلكتروني، والفضاء الأكاديمي العالمي. ولهذا أصبحت مسؤولية الباحثين والكتّاب والمؤرخين أكثر تعقيداً وأشد إلحاحاً؛ إذ تقع على عاتقهم مهمة توثيق الوقائع، وحماية الرواية التاريخية من التشويه، وتقديم المعرفة بلغة علمية رصينة قادرة على مخاطبة العالم.

وإذا كانت رسالة المثقف هي الانحياز إلى الحقيقة، فإن مسؤوليته لا تتوقف عند حدود التعبير، بل تبدأ بإنتاج المعرفة، وتتعمق بالبحث العلمي، وتترسخ بالتوثيق الرصين، لتغدو الكتابة فعلاً أخلاقياً يحفظ الذاكرة، ويصون الهوية، وينقل الوقائع إلى الأجيال القادمة بعيدًا عن النسيان أو التشويه.

إن إحياء ذكرى غسان كنفاني ينبغي ألا يقتصر على استذكار سيرته أو إعادة نشر صوره واقتباساته، بل يجب أن يكون مناسبة لإعادة الاعتبار إلى الثقافة بوصفها ركيزة من ركائز بناء المجتمعات، وإلى الكاتب بوصفه شاهداً على عصره، وإلى الباحث بوصفه حارساً للوثيقة، وإلى المؤرخ بوصفه أميناً على الذاكرة.

ومن هنا، فإن حماية أصحاب الفكر والقلم ليست دفاعاً عن أفراد، بل دفاع عن حق المجتمعات في المعرفة، وعن حق الأجيال القادمة في الوصول إلى رواية موثقة، وعن حق الإنسانية في أن يبقى التاريخ ملكاً للحقيقة، لا ضحية للتزييف أو النسيان.

إن أفضل وفاء لغسان كنفاني في ذكراه الرابعة والخمسين لا يكون بالرثاء وحده، وإنما (باستكمال الرسالة) التي آمن بها؛ رسالة القراءة، والكتابة، والبحث، والتوثيق، وإنتاج المعرفة. فكل كتاب يُؤلَّف، وكل وثيقة تُحفَظ، وكل دراسة علمية تُنجَز، وكل رواية تُكتب بصدق، هي إسهام في حماية الذاكرة الإنسانية من المحو.

ويبقى غسان كنفاني، بعد أربعة وخمسين عاماً على رحيله، شاهدا على أن الكلمة الصادقة قد تعيش (أكثر) من صاحبها، وأن الثقافة قادرة على عبور الزمن، وأن الذاكرة، إذا وجدت من يصونها، تصبح إحدى أقوى صور البقاء.