غزة في قبضة الخوف.. صرخة من وسط الركام
نشر بتاريخ: 2026/07/08 (آخر تحديث: 2026/07/08 الساعة: 20:21)

بينما يشاهد العالم مباريات كأس العالم ويطوي صفحات التقويم، لا يزال الزمن في قطاع غزة متجمداً عند لحظة أبدية من الألم والنزوح. لم يعد المشهد في غزة يُختصر بكلمات مثل "الحرب" أو "الإبادة" أو "القتل"، بل بات تجسيداً حياً لعملية تآكلٍ منهجية للإنسان والأرض والمستقبل، في ظل حرب إسرائيلية مستمرة لم تشهد الإنسانية في العصر الحديث مثيلاً لما بلغته من وحشية.

إن الضحية الأولى والأخيرة في هذه الحرب هي "الإنسان الفلسطيني"؛ فلم يعد الخوف في غزة مجرد شعور عابر، بل أصبح نمط حياة يومياً. فالمدنيون، الذين تحولوا إلى نازحين دائمين، يعيشون تحت وطأة قصفٍ لا يميّز، وحصارٍ يقطع عنهم شريان الحياة. إن شح المياه، وانعدام الأمن الغذائي، وانهيار المنظومة الصحية، ليست نتائج عرضية للعمليات العسكرية الإسرائيلية المدعومة أمريكياً، بل هي أدوات ممنهجة أسهمت في تحويل القطاع إلى منطقة غير صالحة للحياة، حيث لم يعد أمام الفلسطيني سوى خيارين: الموت تحت القصف، أو الموت البطيء تحت وطأة الجوع والمرض.

وأمام هذه الكارثة، يقف المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة، عاجزاً عن حماية أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني. إن عجز المنظمة الدولية ليس غياباً للقدرة، بقدر ما هو تعبير عن تآكل الإرادة السياسية الدولية، وتغلغل سياسات المحاور العالمية التي تمنح غطاءً سياسياً وعسكرياً غير محدود لدولة الاحتلال. كما أن الدعم الأمريكي المستمر لا يمثل مجرد انحياز سياسي، بل يُعدّ – في نظر كثيرين – عاملاً رئيسياً في استمرار الحرب، الأمر الذي جعل النظام الدولي يبدو في نظر الفلسطينيين مجرد متفرجٍ يوثق المأساة دون أن يمتلك الجرأة على وقفها.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الواقع السياسي الداخلي؛ إذ تتسم مواقف حركة حماس – بحسب منتقديها – بالمماطلة في مفاوضات وقف إطلاق النار، وهو ما يراه كثيرون سعياً إلى الحفاظ على حضورها السياسي في المشهد، رغم الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعها المدنيون. وفي هذا السياق، جاء إعلان الحركة حلّ "لجنة العمل الحكومي" خطوةً رآها عدد من المراقبين محاولةً لكسب الوقت أكثر من كونها تحولاً عملياً يعكس استعداداً حقيقياً لتقديم تنازلات تُسهم في وقف الحرب. وإن لم تُترجم هذه الخطوة إلى إجراءات فعلية تُفضي إلى اتفاقٍ ينهي الحرب، فإنها تبقى في إطار الرسائل السياسية لا الأفعال المؤثرة على الأرض. ومهما كانت مبررات هذا النهج، فإن منتقديه يرون أنه يطيل أمد الصراع، ويمنح الاحتلال ذريعة لمواصلة عملياته العسكرية، فيما يبقى المدنيون في غزة هم من يدفعون الثمن الأكبر، وتتحول القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ساحة تُستنزف فيها الأرواح والإمكانات، ليظل الإنسان الغزي هو "الحطب" الذي تُغذى به هذه الحرب الوحشية.

إن ما يحدث اليوم في غزة يتجاوز تدمير الحجر؛ فهو تدمير للذاكرة والهوية والبنية الاجتماعية. وإن فقدان جيلٍ كامل من الأطفال والشباب لبيوتهم ومدارسهم ومستقبلهم يمثل خسارة استراتيجية للشعب الفلسطيني يصعب ترميمها. كما أن تمزيق النسيج الاجتماعي بفعل النزوح المتكرر، وتفشي الفقر والبطالة، سيخلف آثاراً اجتماعية ونفسية ستمتد لعقود، مما يجعل استمرار الحرب جريمة تاريخية لا تقتصر آثارها على الحاضر، بل تمتد إلى أجيال لم تولد بعد.

إن غزة اليوم لا تستصرخ ضمير العالم فحسب، بل تعلن أن كرامة الإنسانية تُنتهك على أرضها. وإن إنهاء هذه الحرب يتطلب أكثر من مجرد وقفٍ لإطلاق النار؛ فهو يحتاج إلى وقفة جادة لمراجعة حسابات جميع القوى السياسية التي تتغذى على استمرار الصراع، وإلى تحرير القرار الوطني الفلسطيني من الارتهان للأجندات الضيقة، ليكون الهدف الأسمى هو إنقاذ ما تبقى من الشعب الفلسطيني، الذي بات الصمود بالنسبة إليه ليس بطولة، بل وجعاً لا يُطاق. فغزة لم تعد تحتمل مزيداً من الحسابات السياسية، بل تحتاج إلى قرار شجاع يضع حياة الإنسان الفلسطيني وكرامته فوق كل اعتبار.