إلى متى يغيب النقد والمساءلة ؟
نشر بتاريخ: 2026/07/07 (آخر تحديث: 2026/07/07 الساعة: 18:02)

تحدث مصطفى البرغوثي عن خسارة 20 ألف طفل من قطاع غزة في حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على امتداد ألف يوم ويزيد، وأقرنها بولادة 80 ألف طفل خلال نفس الفترة في إشارة إلى تعويض الخسارة.

هذا الكلام أثار جدلاً صاخباً بين الذين يعتبرون الإنسان قيمة عليا وحقه في الحياة أمر مقدس لا ينفصل عن حقه في التحرر.

بيد أن حرب الإبادة الوحشية أفقدت الطفل والإنسان الفلسطيني هذا الحق عبر المدافع والصواريخ وعبر التجويع وتدمير المكان بما في ذلك المدارس والمستشفيات وتحويله إلى مكان غير صالح للحياة ويفتقد إلى أبسط أشكال الأمان.

الطرف الثاني في الجدل هم الذين اعتبروا خسارة ربع مليون بين شهيد وجريح ومفقود أمراً طبيعياً يحدث في كل حروب التحرر، وأن هذه الخسارة تكتيكية، ويتم تعويضها بمواليد جدد، وأن المقاومة ستنتصر كما انتصرت فيتنام والجزائر، وهذا ما درج قياديون في حركة حماس على قوله مراراً.

فقدان التحسس أو الاكتراث أو أخذ الخسائر البشرية ومحنة ومعاناة الشعوب بالحسبان أكثر ما ميز سلوك محور المقاومة ومن ضمنه حماس.

فعندما أعدت حماس للهجوم ونفذته لم تتوقف عند الخسائر البشرية والمادية التي بلغت ربع مليون بين شهيد وجريح ومفقود وطالت 80% من قطاع غزة، الشيء نفسه عندما أطلق حزب الله صواريخه لم يأخذ بالحسبان تدمير 60 قرية وتهجير ما يزيد على مليون مواطن لبناني واحتلال 10% من الأراضي اللبنانية. وينطبق ذلك على اليمن وإيران.

لقد بادرت حماس إلى شن حرب شاملة بإطلاق أكثر من 3 آلاف صاروخ على إسرائيل واقتحام مستوطنات غلاف غزة، ودعت محور المقاومة بقيادة إيران، والشعب الفلسطيني في الضفة ومناطق 48 إلى المشاركة في المعركة وكأنها معركة حاسمة.

هل كان قرار الهجوم صائباً أو في الاتجاه الصحيح، أقل ما يقال إنه لم يستند إلى معرفة حقيقة دولة الاحتلال المسكونة بعقدة الأمن والتفوق واضطهاد اليهود وبردود فعلها عندما تتعرض للهجوم.

لم تكن قيادة حماس مضطرة لفتح معركة شاملة تحت بند الضرورة.

كان هناك ألف سبب وسبب لمقاومة الاحتلال بوصفها حقاً مشروعاً ضمن حدود قدرة وطاقة الشعب الفلسطيني على المشاركة والاحتمال، وتحديداً من خلال تحييد القوة الإسرائيلية الغاشمة كما حدث في انتفاضة 87 والهبات الشعبية المتلاحقة، وليس استدراجها إلى حرب شاملة، مع العلم أن دولة الاحتلال تتحكم في كل أساسيات حياة المجتمع الفلسطيني ما عدا الهواء فقط.

كان على المستوى الثقافي أن يتدخل ليحول دون الدخول في معركة فاصلة من هذا النوع، وفي التراجع السريع بعد رد الفعل الإسرائيلي للحيلولة دون تعريض المجتمع للإبادة والاستباحة والتهجير. لكنه فعل العكس - باستثناءات قليلة -، برر حرب المواجهة التي بادرت إليها حماس، على قاعدة الحق في المقاومة الذي تحول إلى الحق في حرب مواجهة غير متكافئة ومعروفة النتائج، وركب وهم فوز المقاومة في نهاية المعركة، معتقداً أن كل نقد يخدم العدو.

وبهذا المعنى لعب المستوى الثقافي دور التابع للمستوى السياسي الذي غامر بحرب شاملة دون حساب.

لا يمكن الخلط بين المقاوم والمقاتل الذي يعرض حياته لخطر الموت والإصابة والأسر وهو يدافع عن شعبه ووطنه، وبين تعريض الأطفال والأبرياء لذلك الخطر. لهذا السبب فصلت اتفاقيات جنيف الرابعة وملاحقها المدنيين عن العسكريين واعتبرت استهداف المدنيين واستخدامهم في الحرب جريمة حرب. وجريمة بحق الإنسانية.

أما في تجربتنا فقد جرى الفصل بين المدنيين الذين بقوا فوق الأرض بلا حماية وتحت رحمة القنابل والصواريخ، وبين مقاتلين تحت الأرض موزعين داخل تحصينات وأنفاق.

وكان كل تداخل وحركة للمقاتلين فوق الأرض يدفع ثمنها الأبرياء.

اكتفت حماس والفصائل ومشجعو الحرب بتحميل مسؤولية القتل الجماعي لدولة الاحتلال وهذا صحيح، لكنهم تجاهلوا مسؤوليتهم عن حماية شعبهم والتقليل من خسائره ومعاناته، لم يتحسسوا محنة شعبهم، وكان بإمكانهم الحصول على صفقة وقف الحرب في أسابيعها الأولى بشروط أفضل من شروط مبادرة ترامب.

وذلك من خلال تبادل الأسرى، والانتقال من الشكل العنفي للنضال إلى الشكل اللاعنفي، وتراجع حماس عن الحكم.

خلافاً لذلك اعتقدت قيادة حماس أن ورقة الأسرى الإسرائيليين التي بيدها كافية لوقف العدوان والعودة إلى ما قبل 7 أكتوبر في صيغة هدنة جديدة، ولم تتوقف عند حقيقة أن كل يوم حرب يمر سيضيف خسائر بشرية ومادية وإنسانية وخسائر في مجال التعليم والعلاج والغذاء والعمل وخسارة أكبر هي تفكيك وتدمير روابط المجتمع، كل ذلك يحدث دون محاولة قطع الطريق عليه لطالما كان الثمن بقاء حماس في الحكم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

نعم، تركز اهتمام حماس طوال الحرب وما بعدها على البقاء في الحكم رغم الخسائر الفادحة التي لحقت بقيادتها وكوادرها ومقاتليها وجهازها المدني، ورغم الخسائر الفادحة التي لحقت بمجتمعها.

وكي تبقى حماس في الحكم لا يهم المزيد من الخسائر ولا غنى لها عن السلاح.

ولا غنى عن مساومة إدارة ترامب مباشرة وعبر قطر وتركيا للبقاء بأي ثمن. المفارقة أن حكومة نتنياهو التي تحتل 60% من قطاع غزة وتقوم بتدمير المدن والبلدات والأنفاق بشكل منهجي، تشترط تسليم سلاح حماس وانسحابها من الحكم كما تنص خطة ترامب للانتقال إلى المرحلة الثانية.

وإذا لم تنفذ حماس بنود الخطة سيتولى جيش الاحتلال المهمة. وفي أحسن الأحوال سيتم تكريس الفصل بين المنطقتين وإعادة الإعمار في المنطقة التي تسيطر عليها قوات الاحتلال.

ووجه الغرابة أن حماس تساوم على حكمها، مرة بهدنة طويلة لمدة 15 سنة، ومرة أخرى بضبط الأمن على غلاف غزة، وقطع الطريق على تفجيرات داعشية، ومنع الفوضى التي تهدد السلم والسلام.

وفي كل المراحل كانت حركة حماس تجد الإسناد من فصائل ونخب، سواء عندما وقعت على خطة ترامب التي تنص على نزع السلاح وتسليم الحكم وفرض وصاية أميركية إسرائيلية، أو عندما بدأت تناور في عملية نزع السلاح. العنصر المشترك بين حماس والفصائل والنخب هو عدم الاكتراث بالخسائر البشرية وبحق الإنسان في الحياة.

وتأتي الحلول التعويضية من نوع ولادة 80 ألف طفل تعويضاً لجريمة قتل 22 ألف طفل.

ولا يهم التسليم بصك استسلام المهم بقاء السلاح.

السؤال إلى متى يغيب الاعتراف بالمسؤولية الفلسطينية، إلى متى يغيب النقد والمساءلة؟.