فازت مصر واحتفلت غزة
نشر بتاريخ: 2026/07/04 (آخر تحديث: 2026/07/04 الساعة: 19:04)

لم تكن احتفالات وهتافات ليلة أمس في شوارع وخيام غزة المنكوبة، والتي ترافقت مع انتهاء المباراة بين منتخبي مصر وأستراليا ضمن تصفيات كأس العالم، مجرد حدث رياضي، بل كانت رسالة عفوية وشعبية صادقة تخطت كل حواجز المعاناة والبؤس التي رافقت مظاهر حياة الغزيين، وتجاوزت كل مشاهد التحريض التي شنتها بعض الأنظمة والفضائيات على مصر.

رسائل قوية بدبلوماسية ناعمة أرسلتها الخيام والمخيمات والشوارع المدمرة، والشباب المبتورة أطرافهم وأحلامهم إلى مصر ورئيسها وجيشها وشعبها، بعد انتشار صور تُظهر مشاهد الفرح والاحتفال من غزة الموءودة في وحل الحرب.

كيف لغزة بعد 1000 يوم من أبشع جريمة حرب شهدتها البشرية ولا تزال مستمرة أن تجد متسعًا من الوقت للفرح على فوز في مباراة؟!!!

هذا السؤال صحيح، لكن السؤال الأصح:

لماذا كل هذا العشق الشعبي والفطري لمصر؟!!

لا أعرف، ربما كان الجواب هو القطايف، أو مسرحية "العيال كبرت" التي نشاهدها وكأنها إحدى طقوس العيد، وربما فوانيس رمضان أو أغاني الأفراح وحكيم، أو ربما بسبب الصوت الملائكي للشيخ عبد الباسط، أو أغاني عبد الحليم في أيام المراهقة ودندنة المساء على الشاطئ مع الأصدقاء لأغاني وقصائد أم كلثوم، وربما لأن مصر وجيشها كانت عصية على مؤامرة الربيع العربي، وربما أحمد زويل أو مستشفى 57357 أو مجدي يعقوب أو رأفت الهجان أو كوميديا سمير غانم، أو ربما كل تلك الأسباب مجتمعة أو غيرها.

لكن الأهم من كل ذلك هو البعد الوطني والسياسي في عشق مصر؛ فسياسيًا يدرك شعبنا الفلسطيني في غزة تحديدًا أن مصر ليست مجرد شقيقة كبرى كما اعتاد الرئيس الراحل عرفات أن يسميها، أو مجرد جار نشاركه الحدود والمعابر. فلا يزال التراب الفلسطيني في غزة يضم رفات جنود الجيش المصري، ولا تزال مواقف مصر الداعمة حاضرة في وجدان الفلسطينيين.

غزة ليست بقعة خارج التاريخ أو إطار الجغرافيا السياسية، بل تدرك جيدًا وتحفظ المواقف، وتعرف من يدعمها ويساند نضالها، وتعرف أيضًا من يستغلها ويتدخل في شؤونها خدمة لأمريكا. ويدرك يقينًا أن مصر في الوعي الجمعي لشعبنا هي الحاضنة السياسية والبوصلة الوطنية التي لا تخطئ عقاربها، وكان ذلك حتى قبل نشأة منظمة التحرير الفلسطينية بتوصية من الخارجية المصرية في عام 1959 للرئيس جمال عبد الناصر بضرورة تأسيس كيان سياسي يمثل الشعب الفلسطيني ومطالبه المشروعة.

فوز مصر في المباراة وإهداء مدرب المنتخب المصري حسام حسن هذا الفوز للشعبين المصري والفلسطيني هو تأكيد المؤكد على توأمة وطنية بين الشعبين المصري والفلسطيني.

فازت مصر واحتفلت غزة كما لو أنها إحدى أحياء القاهرة القديمة، وكما لو أنها انتفضت في وجه كل محاولات كيّ الوعي التي مارستها بعض الأنظمة وفضائياتها المدعومة لتشويه مصر وإسقاطها.

إذا بكت مصر سال الدمع على خد غزة، وإذا غنت مصر رقصت غزة، وإذا تألمت مصر عمّ الوجع أوصال غزة.

مبارك لمصر فوزها، وشكرًا لجماهير غزة ورسائلهم التي اخترقت كل الحدود.