عوّل الرأي العام الفلسطيني على إيران ومحورها المقاوم في مواجهة العدوان الأميركي الإسرائيلي.
التعويل سبق حرب الـ 12 يوماً، وحرب الأربعين يوماً، وكان يستند لخطاب الجمهورية الإسلامية منذ العام 1979 الذي اعتبر القضية الفلسطينية عنصراً مهماً في مشروع إيران الإقليمي وفي شرعيتها الأيديولوجية وفي تعبئة واستقطاب قوى وشعوب عربية وإسلامية لصالح تصدير الثورة الإسلامية.
لا شك في أن النظام الإيراني نجح في إحياء فكرة «هزيمة إسرائيل الكاملة» لمصلحة فلسطين واحدة من النهر إلى البحر التي ذوت بعد اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة والاتفاقات الإبراهيمية.
نجح النظام الإيراني أكثر في «نبذ» الحل السياسي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي «حل الدولتين» كونه يعترف بحق إسرائيل في الوجود.
ومن المفارقة أن هذا الحل نُبِذ أيضاً وقُوِضت مقوماته على الأرض من قبل معسكر اليمين القومي الديني العنصري بزعامة نتنياهو لمصلحة حل «أرض إسرائيل الكاملة».
تعامل النظام الإيراني مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره صراعاً مفتوحاً دون استراتيجية أو خطة محددة الزمن لإنهاء الاحتلال على أقل تقدير، بعيداً عن أقوال قادة إيران بأنهم يستطيعون تدمير إسرائيل في 7 دقائق، وأن إسرائيل أوهى من بيت العنكبوت وأن قوة الرضوان التابعة لحزب الله تستطيع احتلال الجليل حتى مشارف حيفا، وتستطيع تدمير المناطق الاستراتيجية الحيوية في قلب إسرائيل أو تشلها. الصراع المفتوح أتاح لإيران استخدام القضية الفلسطينية والمقاومة كورقة لتحسين موقعها ونفوذها الإقليمي فقط.
حدث ذلك بمعزل عن تعزيز صمود الشعب الفلسطيني من خلال دعم بناء المساكن واستصلاح الأراضي وبناء المدارس والمستشفيات، والتأهيل الجامعي والمهني وغير ذلك اقتصر الدعم الإيراني على السلاح والمال للفصائل المسلحة وتشجيعها على حرب مواجهة عسكرية غير متكافئة مع دولة الاحتلال، لتساهم في تعزيز الانقسام الفلسطيني بانحيازها لحركتي حماس والجهاد الإسلامي.
وعندما عولت قيادة القسام المتأثرة بالاستراتيجية الإيرانية على قدرات إيران العسكرية معتقدة أنها ستترجم وحدة الساحات بمجرد قيام حماس بهجوم 7 أكتوبر، اكتفت إيران بحرب إسناد جزئية قام بها حزب الله، وبمشاركة رمزية من الحوثيين، في مواجهة حرب إبادة وتدمير في قطاع غزة وتطهير عرقي واستباحة في الضفة الغربية، وتهديد وجودي للشعب الفلسطيني في الداخل.
كانت إيران أمام تحدٍ واختبار لمواقفها وسياساتها ووعودها.
وردت على التحدي بالتنصل من هجوم 7 أكتوبر لتبرير عدم دخولها المعركة، ولم تنتصر لحزب الله الذي تعرض لهجوم إسرائيلي شرس.
وكان ينبغي تشجيع حماس على عدم الانجرار لمعركة إبادة وعدم توريط حزب الله والحوثيين في المشاركة لتفادي الخسارات الكبرى التي لحقت بالشعب الفلسطيني، والشعب اللبناني في الجنوب والبنية التحتية في اليمن.
ولأن إيران لا تكترث بالخسارات والكوارث التي تلحق بالشعوب أمعنت في تشجيع حماس وحزب الله والحوثيين على مواصلة الحرب الخاسرة، وكان أغرب موقف إيراني هو عدم التدخل لإنقاذ نظام بشار الأسد وموقعه الاستراتيجي في ربط المحور الإيراني ببعضه البعض وتركه يواجه مصيره وحيداً.
خرج حزب الله من حرب الإسناد بهزيمة، وتركت غزة تتعرض للجحيم الاسرائيلي وحدها إلى أن وقعت حماس على خطة ترامب التي تنص على نزع سلاحها وخروجها من الحكم وفرض وصاية على قطاع غزة وعلى الوضع الفلسطيني.
وكان الموقف الأغرب هو قرار إيران بعودة حزب الله إلى القتال لإسناد إيران والرد على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي دون أن تحسب حساباً لتدمير 60 قرية وبلدة وتهديد مدن النبطية وصور والضاحية الجنوبية من بيروت، وتغلغل جيش الاحتلال لمسافة 10 كيلو مترات داخل الأراضي اللبنانية وتهجير وتشريد أكثر من مليون مواطن لبناني.
بدأت إيران التفاوض على مصالحها المباشرة (بقاء النظام، رفع العقوبات، تصدير النفط الخام، إعادة الإعمار، مضيق هرمز، والمشروع النووي) البند الوحيد الذي بدا وكأنه من خارج العناوين الإيرانية الخاصة هو ربط وقف الحرب في لبنان بوقف الحرب مع إيران، لكن هذا الربط جاء بصيغة تدخل إيراني فاضح في الشأن اللبناني نيابة عن الدولة اللبنانية، وليؤكد أن إيران مسؤولة عن قرار الحرب والتفاوض والسلم في لبنان متجاوزة الدستور اللبناني والمواثيق الدولية والعربية، وسرعان ما أسقط بيد إيران بتوقيع الحكومة اللبنانية على اتفاق إطار ينص على وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الهدنة واحتكار الدولة اللبنانية للتفاوض.
لم تسقط فلسطين سهواً من مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية، فقد تراجع الاهتمام الإيراني بفلسطين أثناء حرب الإبادة والتدمير والتطهير العرقي، وكاد يتلاشى مع توقيع حركة حماس على خطة ترامب، لكنه وصل إلى الذروة بعدم ذكر فلسطين ومحنتها في مذكرة التفاهم.
هذا يفسر أن إيران استخدمت فلسطين في التعبئة والتحريض والاستقطاب والضغط على الخصوم وبناء الأذرع والتدخلات، فدعمت الفصائل المسلحة - حماس والجهاد الإسلامي وتنظيمات دائرة في فلكهما - ونجحت في بناء عناصر نفوذها باستخدام الشعارات الشعبوية.
وعندما بطل مفعول هذه الورقة بعد إخفاق المقاومة المسلحة في قطاع غزة وفي شمال الضفة، وبعد التعرف على الهوة الشاسعة بين الأقوال والأفعال، وضعت هذه الورقة الخاسرة جانباً وبالمثل أصبح الرهان الشعبي على الدور الإيراني خاسراً.
بينما تتمسك إيران بحزب الله وتسعى جاهدة لبقاء دوره في الحفاظ على بقايا نفوذ إيراني، وفي الضغط به على طاولة المفاوضات لتحسين شروطها مع إدارة ترامب.
ماذا يعني ذلك ؟
يجوز القول إن إيران لا تملك استراتيجية أو حتى رؤية للتحرر من الاحتلال ومن علاقات التبعية والهيمنة الأميركية، وكل ما يهمها هو دور ونفوذ إقليمي وعندما تصل إلى مبتغاها إن وصلت تصبح الأوراق غير مهمة، وكذلك عندما تخسر إيران في الحرب الكثير من بنيتها العسكرية والاقتصادية وعندما تفقد قواعدها الاجتماعية الداخلية والخارجية الثقة بالمشروع الإيراني وما يسمى الاستراتيجية الإيرانية، تفقد إيران مصداقيتها وقدرتها على بناء الأذرع.
إن الاعتماد على الاستراتيجية الإيرانية بأيديولوجيا خلاصية كان رهاناً خاسراً بالنسبة للشعب الفلسطيني كما الشعب اللبناني.
أيديولوجيا الولي الفقيه ورديفتها أيديولوجيا الإخوان المسلمين = حماس - والمقاومات الدينية والمذهبية المنبثقة عنهما أدخلت شعوبها في الحائط.
فكم يحتاج الشعب الفلسطيني من وقت ومن أموال وعقول لإعادة الإعمار والتعافي من حرب الإبادة والتطهير العرقي.
الشيء نفسه ينطبق على الشعب اللبناني والشعب الإيراني.
بقي القول: تختلف الآراء والتقديرات النظرية، ولكن بعد اختبارها وتجربتها في الحرب، لا يصح إلا الصحيح.