أعادت الحرب على غزّة، وما تلاها من مواجهات إقليمية ومفاوضات أميركية – إيرانية، طرح سؤال قديم حول طبيعة العلاقة بين الأيديولوجيا والسياسة في سلوك الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
فهل تحكم إيران عقيدة ثورية عابرة للحدود تجعل فلسطين و”محور المقاومة” في صلب قراراتها الاستراتيجية؟ أم أنها دولة تتصرّف في النهاية وفق حسابات المصلحة القومية كباقي الدول؟
الواقع أن الإجابة لا تكمن في أحد الطرفين، بل في الجمع بينهما. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، لم تكن إيران مجرّد دولة قومية تقليدية، لكنّها أيضاً لم تكن دولة أيديولوجية خالصة. فقد نجحت على مدى عقود في دمج العقيدة بالمصلحة، وتحويل الأيديولوجيا إلى أداة نفوذ إقليمي ومصدر شرعية داخلية وخارجية.
ضمن هذا الإطار، احتلّت القضيّة الفلسطينية موقعاً مركزياً في الخطاب الإيراني. ففلسطين لم تكن مجرّد قضيّة تضامن، بل أصبحت جزءاً من هويّة النظام السياسية والثورية، وركناً أساسياً في بناء شبكة التحالفات الإقليمية التي عُرفت لاحقاً باسم “محور المقاومة”. غير أن أحداث السنوات الأخيرة كشفت أن مركزية فلسطين في الخطاب لا تعني بالضرورة أنها تحتلّ الموقع نفسه في سلّم الأولويات الاستراتيجية.
فخلال الحرب على غزّة، لم تتحوّل القضيّة الفلسطينية إلى شرط في المفاوضات الإيرانية مع الولايات المتّحدة، ولم يصبح وقف الحرب أو إنهاء الحصار جزءاً من التفاهمات التي سعت إليها طهران. وعلى الرغم من أن غزّة تُقدَّم باعتبارها أحد أهمّ ميادين المواجهة مع إسرائيل، فإن المفاوضات ركّزت على الملفّات المرتبطة مباشرة بإيران: العقوبات، الأمن، الاقتصاد، واستقرار النظام.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يتعلّق بإيران وحدها، بل بـ”حماس” أيضاً. فالحركة دخلت معركة السابع من أكتوبر انطلاقاً من حساباتها الخاصّة، وربما من افتراض أن اتّساع المواجهة سيقود إلى انخراط أوسع من أطراف المحور تحت عنوان “وحدة الساحات”.
غير أن مسار الحرب كشف أن لكل طرف حساباته وحدوده وأولوياته الخاصّة. فالدول، حتى عندما تتبنّى خطاباً أيديولوجياً مشتركاً، لا تتخلّى عن منطق المصلحة الوطنية عند اتّخاذ القرارات المصيرية.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المسألة مرتبطة فقط بحدود التزام إيران تجاه حلفائها، بل أيضاً بمدى استيعاب “حماس” لطبيعة العلاقة بين حركات المقاومة والدول الداعمة لها.
فالدعم السياسي والعسكري لا يعني بالضرورة وحدة القرار أو وحدة المصير، كما أن التحالف لا يلغي الفوارق بين منطق الدولة ومنطق الحركة. ولعلّ أحد الأسئلة التي ستفرض نفسها على الحركة بعد الحرب، هو ما إذا كانت ستعيد تقييم بعض رهاناتها السابقة على دور الحلفاء وحدود تدخّلهم في لحظات المواجهة الكبرى.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً عندما يتعلّق الأمر بالقوى الشيعية المنضوية في المحور. فالعلاقة بين هذه القوى وإيران لا تقوم فقط على المصالح السياسية أو العسكرية، بل تتداخل فيها عناصر عقائدية ومذهبية وسياسية، ترتبط لدى بعض هذه القوى بمفهوم ولاية الفقيه وبالدور الذي تمنحه للقيادة الإيرانية. غير أن الحرب الأخيرة أظهرت أن هذا البعد العقائدي، على أهمّيته، لم يلغِ حقيقة أن القرار النهائي يبقى قرار دولة تحكمها حسابات القوّة والبقاء والمصلحة الوطنية الإيرانية.
فبينما ينظر بعض هذه القوى إلى العلاقة مع إيران بوصفها شراكة سياسية وعقائدية في آن واحد، تنظر طهران إلى المحور من زاوية أوسع ترتبط بأمن الدولة الإيرانية ومصالحها الاستراتيجية. ومن هنا يظهر التوتّر الكامن بين منطق الدولة ومنطق العقيدة، وبين حسابات المركز وتوقّعات الأطراف.
ولا يعني ذلك أن إيران تخلّت عن فلسطين أو عن حلفائها، بل يعني أن دعم هؤلاء الحلفاء ظلّ محكوماً بالسقف الذي لا يهدّد المصالح العليا للدولة الإيرانية. فحين تتوافق الأيديولوجيا مع المصلحة تتحرّكان معاً، وحين يحدث تعارض بينهما تتقدّم المصلحة الوطنية على ما عداها.
وهنا يظهر أحد أهمّ المفارقات داخل المحور نفسه. فبينما تتعامل طهران مع شعاراتها الثورية بقدر كبير من البراغماتية السياسية، ما زالت بعض القوى الحليفة، وخصوصاً تلك التي تستمدّ شرعيتها من البعد العقائدي، تتعامل مع هذه الشعارات بوصفها التزاماً ثابتاً وعابراً للظروف. لذلك يبدو ما هو مشروع لإيران من تفاوض وتسويات وتفاهمات أمراً غير مشروع عندما يتعلّق بحلفائها أو ببيئاتهم السياسية.
لقد كشفت الحرب الأخيرة أن ما يُسمى “محور المقاومة” ليس كتلة أيديولوجية متجانسة، بل شبكة تحالفات غير متكافئة تقودها دولة لها مصالحها الخاصّة وحساباتها القومية. وفي هذه الشبكة تحتفظ إيران بحقّ اتّخاذ القرارات المصيرية وفق أولوياتها الوطنية، حتى عندما يتحمل الحلفاء أثماناً باهظة دفاعاً عن المشروع المشترك.
لقد كشفت الحرب على غزّة أن الأيديولوجيا في المشروع الإيراني ليست بديلاً عن الدولة، بل أحد أدواتها. فإيران لا تتخلّى عن شعاراتها، لكنّها تعيد تفسيرها دائماً بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. وفي هذا تكمن قوّة المشروع الإيراني واستمراريته من جهة، ومصدر التوتّر الدائم بينه وبين حلفائه من جهة أخرى. فكلما اقتربت لحظة الاختبار، ظهر الفرق بين دولة ترى في الأيديولوجيا أداة لخدمة مصالحها، وقوى ترى في الأيديولوجيا غاية تتقدّم على الحسابات الأخرى.
وربما يبقى السؤال الأهمّ بعد كل ما جرى: هل أدرك حلفاء إيران، وخصوصاً “حماس” بعد السابع من أكتوبر، أن “وحدة الساحات” لا تعني بالضرورة وحدة القرار أو وحدة المصير؟ وأن التحالف، مهما بلغت قوّته الأيديولوجية والعسكرية، لا يلغي حقيقة أن الدول تتصرّف في النهاية وفق مصالحها الوطنية أوّلاً وأخيراً؟