البوصلة المخفية
نشر بتاريخ: 2026/05/27 (آخر تحديث: 2026/05/28 الساعة: 02:47)

​إلى روحك يا أبا علي شاهين…

​سلامٌ على عينيكَ في عليائهما…

سلامٌ لا يجيء وداعاً، بل هو اعترافٌ متأخر بأن غيابك لم يكن إلا انتقالاً إلى هيئةٍ أعمق للحضور. كأنك انسحبتَ من زحام المشهد، لتستوطن الوجدان؛ هناك حيث المساحة أرحب مما تحتمله العين.

فالرجال الكبار لا يغلقون الباب خلفهم إذا رحلوا، بل يتركونه موارباً.. لتظل الذاكرة في مهبّ فكرتهم.

​من غزة…

هذه البقعة المصلوبة على حافة الاحتمال، والتي تخطّ أيامها على جدرانٍ يعاد رسم ملامحها مع كل قصف. من أرضٍ صار الوقت فيها جثة ثقيلة، وغدت النجاة معجزة خجولة تصنعها المصادفة… أكتب إليك.

​أكتب إليك من مدينةٍ تتنفس السياسة مع دخان القذائف، وتنام فوق خرائط متحركة، لتستيقظ على مفارقة الفقد والبقاء. من مدينةٍ لم تعد فيها الحياة رفاهية أو تفصيلاً عابراً، بل هي موقفٌ عنيد يُشهَر كل صباح في وجه العدم. أكتبُ كامرأةٍ غزّيةٍ تقبض على إنسانيتها بأظافرها، وسط هذا الخراب المرتّب بعناية.

​يا أبا علي…

في ذكرى غيابك، لا نستدعي اسماً هجائياً، بل نستردُّ طبقةً من الكرامة. نستحضر زمناً كان للموقف فيه ظلّ، وللانحياز كلفة، وللفكرة رجالٌ لا يعبرون على الهوامش، بل يسكنون صلب النص حتى الخاتمة.

​نعرف أن السياسة مائعة، لا أحد يبقى فيها كما هو.

لكنّ اسمك يرفض الوجبات الجاهزة، وموقفك يأبى المقايضة. بقيتَ كجملةٍ متمردة في كتابٍ لم يكتمل، كسؤالٍ حيّ يرفض الانصياع للإجابات المعلّبة.

​في غزة، لا نفصل السياسة عن رغيف الخبز، ولا عن رجفة الخوف، ولا عن جدران البيت الذي نُعيد تركيبه في مخيلتنا كلما سقط. الحصار هنا ليس عائقاً، إنه المعيار الذي نقيس به الزمن، والصبر ليس فضيلة اختيارية، بل هو هويةٌ لا تتجزأ. هنا يُقاس الآدمي بقدر ما يحتمل، لا بما يملك. تُختبر الفكرة كل يوم؛ في الطابور، في العتمة، وفي تفاصيل الصمود التي لا يراها أحد.

​ومع ذلك… نُربك قوانين الانكسار. نصرخ في وجه هذا العالم الأصمّ: إن الخراب لا يكفي لقتل المعنى.

​وفي قلب هذا الخراب… نحملك.

لا كألبوم صور قديم، بل كامتدادٍ لبذرةٍ زرعتَها ولم تكمل طريقها بعد. حضورك اليوم يشبه البوصلة؛ مخفية في الصدر، لكنها تهدي إلى الشمال حين تتشابه الجهات وتتيه السفن.

​وفي عيدنا المؤجّل…

هذا العيد الذي يخرج عنوةً من رمادٍ لم يبرد، نُبرق لك عهداً لا تحركه العاطفة العابرة، بل يحرّكه الموقف: أن نبقى على الدرب، حراساً للفكرة، حتى وإن صار الثبات في هذا الزمن ضرباً من الانتحار.

​سنظل على العهد يا أبا علي…

لأن فينا من أثرك ما يكفي لصدّ الانطفاء، وما يكفي ليبقى المعنى واقفاً، شامخاً، يرفض السقوط.

​بعض الرجال لا يُقاسون بـ "كم عاشوا"، بل بـ "كم تركوا" فينا من اتساع.

وسيظل فينا الأمل، وسيظل فينا المعنى، وسيظل فينا أثرٌ… أقوى من الغياب.