عوفر برونشتاين الغائب الحاضر
نشر بتاريخ: 2026/05/20 (آخر تحديث: 2026/05/20 الساعة: 12:06)

غادرنا عوفر برونشتاين بعد صراع مع المرض استمر عدة سنوات لم يتوقف خلالها، حتى الأسبوع الأخير الذي نقل فيه إلى المستشفى، عن العمل من أجل تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. عوفر اليهودي الإسرائيلي - الفرنسي الذي انتقل للعيش في فرنسا بعد اغتيال إسحق رابين الذي عمل معه في فترة رئاسته للحكومة إبان فترة اتفاق «أوسلو». ولقد تبنى عوفر حل الدولتين كأساس لتسوية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وعمل بكل جهد من الوصول إلى هذا الحل.

وبعد أن أسس المنتدى الدولي للسلام في فرنسا، عمل بجهد مع منظمات المجتمع المدني من أجل السلام، وكان صوته صاخباً وقوياً بصورة أزعجت اليمين المتطرف في إسرائيل وفي أوروبا، لدرجة أدت إلى توجيه تهديد مباشر له. ولقد كان مخلصاً لمبادئه بشأن حقوق الشعب الفلسطيني، وحصل على تقدير الفلسطينيين دائماً حتى أنه منح الجنسية الفلسطينية المعنوية بحصوله على جواز سفر دبلوماسي فلسطيني بصورة استثنائية. وبعد حرب غزة كان واقفاً بحزم مع الشعب الفلسطيني وضد السلطات الإسرائيلية التي اتهمها بارتكاب جرائم حرب في غزة. واتهم من قبل إسرائيليين بالتطرف ومعاداة إسرائيل.

ولكن الدور الأكبر والأهم الذي لعبه عوفر، بعدما عيّن كمستشار للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، هو المساهمة في إقناعه بالاعتراف بدولة فلسطين. وهو ما حصل في أيلول العام الماضي. طبعاً ليس هو السبب الوحيد في هذا الاعتراف، ولكن كان له دور مهم في هذا التطور الإيجابي في الموقف الفرنسي، ولاحقاً في مواقف عدد من الدول الأوروبية وغير الأوروبية. فتأثيره لا يزال حاضراً رغم الغياب. كيف لا والاعتراف الدولي بفلسطين قد توسع وأضحى حقيقة تقض مضاجع المتطرفين.

الحديث عن عوفر هنا ليس من باب تعداد مناقبه ونعيه، بل لمعرفة حجم الخسارة التي لحقت بمعسكر السلام في المجتمعَين الفلسطيني والإسرائيلي بفقدانه. لقد كان يأتي للقاءات على كرسي بعجلات بسبب عدم قدرة رئتيه على تحمل المشي من أجل أن يقول كلمة حق لصالح الشعب الفلسطيني وضد الحكومة الإسرائيلية التي طالب بمقاطعتها، وفرض العقوبات عليها. نعم هذا الشخص النبيل تدخل لدى السلطات الفرنسية لإنقاذ طفلة مريضة من غزة للخروج وتلقى العلاج. وساعد فلسطينيين كثيرين في أكثر من موقع ومجال. وخسارته لا تعوض، خاصة في زمن تقلص فيه معسكر السلام وأضحى أقلية غير مسموعة على نطاق واسع كما كان في أوقات مضت. فبعد حرب غزة تلاشت الفروقات بين اليمين والمتطرف واليمن الوسط في إسرائيل وحتى قطاعات واسعة في إطار اليسار الصهيوني. فجميعهم لا يؤيدون إقامة دولة فلسطينية. ويتبنون أفكاراً من قبيل أن كل الفلسطينيين يتحملون مسؤولية هجوم السابع من أكتوبر ولا يستحقون أن يحصلوا على دولة لأن هذه الدولة ستكون تهديداً لأمن إسرائيل.

لقد نجح اليمين المتطرف في فرض وجهة نظره على المجتمع الإسرائيلي بأن الأمن يرتبط بالجغرافيا. بمعنى أن سيطرة إسرائيل واحتلالها للأراضي التابعة لدول أخرى يحقق لها الأمن. وهذا ما يتم فعله في غزة والضفة الغربية التي تحاول إسرائيل ابتلاعها بالكامل وضمها بدءاً بالاستيلاء الكامل على مناطق (ج) وطرد الفلسطينيين منها، ومن ثم إلغاء تصنيف المناطق الفلسطينية وضم الضفة الغربية كلها وترحيل ما أمكن من سكانها. واحتلال أجزاء من سورية ولبنان واستمرار العدوان على الجميع. ولعل توجه المحكمة الجنائية الدولية لاعتقال الوزير الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تعبير عن قناعتها بالتهديد الذي يمثله لحقوق الفلسطينيين والمخالفات الجسيمة التي يقوم بها لتهجيرهم. وقرار سموتريتش بإخلاء تجمع الخان الأحمر رد على توجه المحكمة الدولية. وهو تمادٍ في تحدي المؤسسات القانونية الدولية.

لم يعد هناك الكثيرون من أمثال عوفر ممن يملكون الجرأة لتحدى الرأي السائد في المجتمع الإسرائيلي، والذي يمثل الخطاب اليميني المهيمن على وسائل الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي رغم تدهور مكانة إسرائيل على المستوى الدولي، خاصة لدى الجمهور في الولايات المتحدة وأوروبا. فما يشيعه اليمين هو أن موجة «معاداة السامية» تتصاعد في العالم بسبب التيارات الإسلامية، وأن على إسرائيل أن تدافع عن نفيها بفرض الحقائق على الأرض من خلال الاحتلال والضم والتهجير.

ومع كل الأسى لفقدان عوفر وأمثاله من المؤمنين بقضية العدالة والحقوق المتساوية للجميع، ورغم الخسارة الفادحة التي لحقت بالشعب الفلسطيني ولا تزال حاضرة وتحصل كل يوم بجرائم الاحتلال والإبادة الجماعية التي لحقت بهذا الشعب، لا ينبغي أن نفقد البوصلة ونذهب إلى شعارات تفيد المتطرفين الإسرائيليين وتخدمهم في تسويق خطابهم وادعاءاتهم. فلا يزال خيار التمسك بحقوقنا الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران، وتطبيق حل الدولتين، هو الخيار الواقعي الوحيد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق السلام العادل والشامل. وهذا للأسف لا يأتي من خلال مفاوضات مع الإسرائيليين، بل من قرار دولي يفرض على إسرائيل. ولا بد أن يقتنع معسكر السلام الصغير في إسرائيل بأن هذا هو الطريق الوحيد للحل.