غزة تختنق… فهل من رجلٍ رشيد؟
نشر بتاريخ: 2026/05/13 (آخر تحديث: 2026/05/13 الساعة: 14:41)

لم تعد غزة تحتمل مزيدًا من الأوجاع.

مدينةٌ أنهكتها الحروب، وأرهقها الحصار، وفتكت بها الخلافات، حتى أصبح الإنسان فيها يبحث عن أبسط مقومات الحياة كما لو أنه يطارد سرابًا في صحراءٍ قاحلة، في غزة اليوم لا يموت الناس بالقصف وحده، بل يموتون ببطءٍ تحت ثقل الحياة نفسها، يموت الأب حين يعجز عن إطعام أطفاله، وتموت الأم وهي ترى أبناءها ينامون على الخوف والجوع والبرد، ويموت الأطفال كل يوم وهم يفقدون حقهم الطبيعي في التعليم والفرح والأمان...

أما البيوت التي كانت تضج بالحياة، فقد تحولت إلى جدرانٍ مكسورة وذكرياتٍ معلقة فوق الركام.

يا حكام غزة…

لقد بلغ السيل الزبى، ولم يعد في صدور الناس متسعٌ لاحتمال المزيد من الكوارث...

فوق وجع الحرب جاء وجع الفقر، وفوق الحصار جاء استنزاف الناس بالضرائب والجباية والأسعار المجنونة، حتى صار المواطن محاصرًا من كل الجهات، من الخوف، ومن الحاجة، ومن التجار الذين امتصوا دماء الفقراء بلا رحمة، ومن واقعٍ بات يطحن الإنسان طحنًا...

أي حياةٍ هذه التي يعيشها أهل غزة؟

براغيث تنهش أجساد النازحين، وفئران تتقاسم معهم الخيام، وانقطاع للماء والكهرباء، وخراب يبتلع ما تبقى من تفاصيل الحياة، جيلٌ كامل يكبر وسط الدمار، لا يعرف من طفولته سوى أصوات الانفجارات وصفوف الإغاثة وأحلام الهجرة أو الموت...

الأخطر من كل ذلك، أن الناس بدأت تفقد إيمانها بأن أحدًا يشعر بها...

يشاهدون المسؤولين يتحدثون عن الصمود والانتصارات، بينما المواطن يبحث عن رغيف خبز، أو دواء، أو خيمة تقي أطفاله برد الليل، وكأن هناك عالمين منفصلين، عالمًا للسلطة والخطابات، وعالمًا آخر للناس الذين يدفعون الثمن وحدهم...

أليس فيكم رجل رشيد؟

أليس فيكم من يسمع صرخات الأمهات وآهات المكلومين؟

أم أن النصيحة أصبحت تهمة، وصوت الناس بات مزعجًا لمن اعتادوا سماع التصفيق فقط؟

إن غزة اليوم ليست على حافة الهاوية، بل سقطت فيها بالفعل، وما تبقى يحتاج إلى شجاعةٍ حقيقية، لا إلى خطاباتٍ جوفاء...

حيث يحتاج إلى قرار ينحاز للناس، لا للمصالح الضيقة، وإلى قيادة تدرك أن كرامة الإنسان أهم من أي حسابات سياسية أو تنظيمية...

أنقذوا ما تبقى…

فغزة لا تريد معجزات، بل تريد حياة، تريد أن يعيش أطفالها كبقية أطفال العالم، وأن ينام أهلها دون خوف، وأن يشعر الإنسان فيها بأنه بشرٌ لا مجرد رقمٍ في نشرات الأخبار...

يكفي…

فالأوطان لا تُبنى فوق أنقاض الإنسان، والشعوب المرهقة لا تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية...