عشية انعقاد المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح، لا يبدو الحدث مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بل محطة كاشفة لأزمة أعمق تمتد إلى بنية النظام السياسي الفلسطيني برمته، بكل مكوناته وشعاراته وتناقضاته.
في لحظة فلسطينية مثقلة بالانقسام والإنهاك السياسي والإنساني، يطفو سؤال لم يعد يمكن تأجيله: هل ما زال “المشروع الوطني” بصيغته التقليدية، و“المشروع الإسلامي” بصيغته السياسية الراهنة، قادرين على إنتاج أفق حقيقي للشعب الفلسطيني، أم أن كليهما بات جزءًا من الأزمة لا من الحل؟
نعيش اليوم تحت مطرقة الاحتلال وسندان المشروعين: الوطني والإسلامي.
منذ سنوات طويلة، تشكلت المعادلة الفلسطينية بين مسارين رئيسيين: مسار رهان الدولة والمؤسسات والاعترافات الدولية، ومسار المقاومة الشاملة بوصفها مشروعًا للتحرير الكامل. لكن التجربة العملية أظهرت أن كلا المسارين، رغم اختلاف مرجعياتهما، انتهى إلى إنتاج واقع شديد التعقيد على الأرض.
في الحالة الأولى، تراجعت فكرة “المشروع الوطني” من كونه مشروع تحرير وبناء دولة إلى منظومة إدارة واقع سياسي واقتصادي وأمني شديد التقييد، تحكمه اشتراطات المانحين، والتنسيق الأمني، وتعقيدات الاحتلال، ما خلق فجوة متسعة بين الخطاب السياسي والقدرة الفعلية على التغيير.
وفي الحالة الثانية، تحولت المقاومة في جزء من تجلياتها السياسية إلى حالة صراع مفتوح بلا أفق سياسي مستقر، في بيئة ضبابية ومحاصرة ومدمرة، خصوصًا في قطاع غزة، حيث تتداخل الكلفة الإنسانية مع غياب أي تصور نهائي للخروج من دائرة الاستنزاف.
بين هذين المسارين، لم تعد المسافة بين الشعار والواقع مسألة نظرية، بل أصبحت بنية حياة يومية للفلسطينيين: حركة نزوح قاسية من مكان إلى آخر، نسب بطالة مرتفعة، انعدام أمان، وتآكل تدريجي في القدرة على تصور مستقبل سياسي قابل للتحقق.
في هذا السياق، يأتي المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح ليطرح أسئلة تتجاوز الإطار التنظيمي الداخلي، نحو جوهر الأزمة: هل نحن أمام عملية تجديد حقيقية في البنية السياسية والتنظيمية، أم مجرد إعادة إنتاج للنخب القديمة ضمن الإطار ذاته، مع تغييرات محدودة في المواقع؟
فـ“فتح”، التي شكلت تاريخيًا العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍ مزدوج: تجديد ذاتها تنظيميًا، واستعادة موقعها كفاعل قادر على التأثير في مسار السياسة الفلسطينية، لا مجرد جزء من إدارة الواقع.
لكن الأهم أن الأزمة لا تبدو محصورة في تنظيم بعينه، بل تمتد إلى ما يمكن تسميته بـ“العقل السياسي الفلسطيني”، الذي ما زال في كثير من جوانبه أسير مفاهيم تشكلت في سياقات تاريخية مختلفة، ولم تعد قادرة على تفسير الواقع الراهن أو إنتاج أدوات فعالة للتعامل معه.
المفارقة أن الخطاب السياسي الفلسطيني، بمختلف أطرافه، ما زال يعيد إنتاج مفرداته القديمة، بينما الواقع تحوّل جذريًا. هذا الانفصال بين اللغة والواقع أنتج حالة من التكرار السياسي، حيث تُعاد الشعارات ذاتها في كل مرحلة، رغم تغير النتائج والظروف والمعطيات، لتبقى داخل قوالب سياسية جامدة.
ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في نتائج مؤتمر أو في شكل تمثيل تنظيمي، بل في طبيعة المرحلة ذاتها: هل نحن أمام لحظة إدارة أزمة طويلة الأمد؟ أم أمام ضرورة تاريخية لإعادة تأسيس المفاهيم السياسية الفلسطينية من جذورها، بما يشمل تعريف المشروع، وأدواته، وحدوده، ووظيفته تجاه الإنسان الفلسطيني؟
إن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس فقط تعقيد الواقع، بل استمرار التعامل معه بأدوات فكرية وسياسية لم تعد قادرة على استيعابه. وبين مشروع وطني مكبل بالاشتراطات، ومشاريع أخرى مثقلة بالاستنزاف، يبقى الإنسان الفلسطيني هو العنصر الأكثر كلفة، والأقل حضورًا في معادلات القرار.
في النهاية، لا يمكن قراءة المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح بمعزل عن هذا السياق الأوسع. فهو ليس مجرد حدث تنظيمي، بل مرآة لأزمة مركبة: أزمة مشروع، وأزمة عقل سياسي، وأزمة قدرة على تحويل التاريخ إلى مستقبل.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة: هل ما زالت الأدوات السياسية الفلسطينية الحالية قادرة على إنتاج أفق جديد، أم أن المرحلة باتت تحتاج إلى إعادة تأسيس شاملة تبدأ من إعادة تعريف معنى “المشروع” نفسه قبل أي شيء آخر؟