حينما يغيب الكبار…
نشر بتاريخ: 2026/05/06 (آخر تحديث: 2026/05/06 الساعة: 18:32)

لا يختفي الصوت فقط، بل تختفي الهيبة، وتُفتح الأبواب على مصاريعها أمام كل طامح صغير ليملأ الفراغ بما يملك من ضجيج لا بما يحمل من تاريخ، هكذا تبدو اليوم حركة فتح، التي كانت يومًا مدرسة الثورة، فإذا بها تُختزل في مشهد مرتبك يتقدم فيه من لا وزن لهم، ويتراجع أصحاب البصمة الحقيقية...

لذلك لم تكن فتح يومًا حركة عابرة، بل كانت مشروع وطن، صاغه رجال كبار حملوا أعمارهم على أكفهم، ومشوا بها نحو المجهول ليصنعوا هوية شعب، لكن المأساة لا تكمن فقط في غياب هؤلاء، بل في صمت من تبقى منهم، أو من سار على دربهم، صمتٌ منح الصغار فرصة التمدد، فاستطالوا، وتجرؤوا، وتحوّلوا من ظلال باهتة إلى مراكز قرار تتحكم بمصير الحركة...

حين يصمت المناضلون، لا يبقى الفراغ فارغًا…

بل يملؤه من لا يستحق، تتبدل المعايير، فيُقصى صاحب التاريخ، ويُقدَّم صاحب الولاء، تُغلق الأبواب أمام الكفاءة، وتُفتح على مصراعيها أمام المحسوبية، فيتحول التنظيم من حركة تحرر إلى ساحة تصفية حسابات، ومن بيتٍ جامع إلى مزرعة خاصة تُدار بعقلية الإقصاء والتمكين...

حيث المشكلة ليست في "الصغار" كأعمار، بل في صِغَر المشروع والرؤية والانتماء، فالكِبر في فتح لم يكن يومًا بالعمر، بل بالفعل والتضحية، أما اليوم فقد انقلبت الموازين، وأصبح الصوت العالي يغلب الصوت الصادق، وأصبح القرب من مراكز النفوذ أهم من القرب من نبض الشارع...

علاوه على ذلك ما يحدث ليس مجرد خلل تنظيمي، بل انزلاق خطير يهدد جوهر الحركة، لأن فتح التي نعرفها لا تُدار بهذه الطريقة، ولا تُبنى بهذا المنطق، فتح التي قدمت الشهداء والأسرى لا يمكن أن تُختزل في مشهد باهت يتصدره من لم يدفعوا ثمن الانتماء، ولم يعرفوا معنى التضحية...

إن أخطر ما في المشهد هو اعتياده… أن يصبح هذا الواقع طبيعيًا، وأن يتعايش معه المناضلون بصمت قاتل، فالصمت هنا ليس حيادًا، بل شراكة غير مباشرة في ما يجري، وكل يوم يمر دون مواجهة هذا الانحدار، هو يوم يُقتطع من عمر فتح الحقيقي...