تشير التطورات في الخريطة السياسية الإسرائيلية إلى إعادة تشكّل المشهد الداخلي، حيث يبدو تحالف بينيت–لابيد أحد أبرز تموضعات المركز، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن تحولات في التحالفات وتشتت في مواقع اليمين وصعود قوى تنتظر لحظة الحسم.
ويبدو أن التحالف نجح في تحقيق هدفه الأول: تثبيت بينيت كزعيم للمعسكر المناهض لبنيامين نتنياهو، ومنع تفتت أصواته. لكن هذا النجاح نفسه أنتج معضلة أعمق: إزاحة جزء من قاعدته الطبيعية، ناخبي اليمين “غير البيبي” الذين لا يرون أنفسهم في شراكة مع لابيد. لا يتعلق الأمر بتسرب هامشي، بل بكتلة حاسمة قادرة على ترجيح الانتخابات. هذه الفئة لا تعود إلى نتنياهو بدافع أيديولوجي، بل بسبب غياب البديل. وهنا يتجلى التناقض في الاستطلاعات: استقرار في حجم المعسكر، مقابل عجز في قدرته على الحسم.
في هذه النقطة تحديداً، لا يظهر أفيغدور ليبرمان ويوعاز هندل كحلفاء ثانويين، بل كشرط توازن.
ليبرمان يمتلك قدرة مثبتة على جذب اليمين العلماني، لكنه يصطدم بسقف واضح لدى الناخبين المحافظين. في المقابل، يقترب هندل من هذه الشريحة، لكنه يفتقر إلى الوزن الكافي لعبور نسبة الحسم منفرداً. بكلمات أخرى: كل منهما يملك نصف الحل. من هنا، يصبح اتحاد ليبرمان–هندل ليس خياراً تكتيكياً، بل ضرورة بنيوية. فهو الإطار الوحيد القادر على احتواء الأصوات اليمينية المترددة، ومنع نزوحها نحو الليكود أو “الصهيونية الدينية”، دون فرض اندماجها القسري في تحالف بينيت–لابيد.
في المقابل، تبدو تحركات غادي آيزنكوت أقرب إلى محاولة ملء هذا الفراغ، لكنها تصطدم بحدود واضحة. فإضافة شخصيات أمنية مثل يورام كوهين أو شخصيات مهنية مثل شاؤول ميريدور تعزز صورة “الكفاءة”، لكنها لا تعالج المشكلة الجوهرية: غياب قاعدة انتخابية متماسكة. الاستطلاعات لا تشير إلى توسع فعلي، بل إلى إعادة توزيع داخل المعسكر نفسه.
لكن قراءة هذا المشهد تبقى ناقصة من دون إدخال عامل الزمن السياسي. فكما يشير الكاتب ورئيس تحرير صحيفة هآرتس، ألوف بن، لا يتعلق الأمر فقط بمن يتحالف مع من، بل بمن يلتقط لحظة التحول قبل أن تتضح معالمها. إعلان تحالف نفتالي بينيت – يائير لابيد في هذه المرحلة المبكرة لا يمكن فصله عن تقدير سياسي بوجود اهتزاز يتشكل داخل معسكر بنيامين نتنياهو، قد لا يقتصر على تراجع موقعه، بل على إعادة فتح سؤال قيادته نفسه، في ظل مؤشرات على تشظّي مركز السلطة في إسرائيل وإعادة تشكيل موازينها قبل الحسم الانتخابي.
هنا يكتسب التحالف بعداً مختلفاً: ليس فقط محاولة لتنظيم المعسكر، بل سباق للتموضع في “اليوم التالي لنتنياهو”. هذا الافتراض، حتى لو لم يتحقق، يؤثر بالفعل على سلوك الفاعلين، ويدفع بينيت إلى التقدم خطوة نحو احتلال موقع “البديل الجاهز” قبل أن يعاد ترتيب البيت اليميني من الداخل.
في هذا السياق، يصبح فهم خطوة بينيت أقرب إلى منطق “المبادر الأول”: القفز مبكراً إلى مركز القيادة، على أمل أن يؤدي أي اهتزاز في موقع نتنياهو إلى إعادة اصطفاف واسعة في الخريطة السياسية. لكن هذا الرهان يحمل مفارقة عميقة: كلما اقترب بينيت من مركز المعارضة كزعيم بديل، ابتعد أكثر عن القاعدة اليمينية التي يحتاجها للفوز.
ولا يتوقف الأمر عند الحسابات الحزبية، بل يتقاطع مع بيئة سياسية أوسع تتسم بتعدد الأزمات التي تحيط بنتنياهو: ضغوط قضائية مستمرة، توترات داخلية، انتقادات لأداء الحكومة في الحرب، وتراجع في الدعم الدولي. هذه العوامل مجتمعة لا تعني بالضرورة نهاية فورية لنتنياهو، لكنها تفتح نافذة لاحتمال التغيير، وهو ما يسعى بينيت إلى استباقه.
في المقابل، يراهن بينيت أيضاً على سيناريو تفكك نسبي في معسكر اليمين في حال غياب نتنياهو، حيث قد تتوزع أصوات الليكود بين أكثر من قطب، أو تنجذب نحو شخصيات أكثر تطرفاً مثل إيتمار بن غفير. في هذه الحالة، يحاول بينيت تقديم نفسه كـ“مرمم” لليمين، قادر على الجمع بين الخطاب الأمني والخبرة الحكومية، دون الارتباط بإرث نتنياهو.
لكن هذا الرهان يواجه قيدين أساسيين: الأول، أن غياب نتنياهو—إن حدث—قد يفتح المجال أيضاً أمام صعود بدائل يمينية من داخل الليكود نفسه، وليس فقط من خارجه. والثاني، أن قدرة بينيت على جذب هذه الكتلة تبقى مشروطة بعدم ذوبانه الكامل في مركز يقوده لابيد.
هنا تكمن المفارقة: كلما حاول بينيت توسيع مركز المعسكر، ضيّق هامشه اليميني. وهذه ليست أزمة تحالف، بل أزمة بنية. فالاقتراب من الوسط في السياسة الإسرائيلية لا يمر دون ثمن—إلا إذا ترافق مع بناء ذراع يمينية موازية.
أما آيزنكوت، فخياره بالترشح منفرداً يعكس رهاناً على قدرته في فرض نفسه كقائد فوق هذا التوازن الهش. لكن التجربة القريبة تشير إلى أن تعدد مراكز القيادة داخل المعسكر لا ينتج قوة، بل صراعًا يستنزفها—خصوصًا في لحظة انتقالية غير محسومة المعالم.
هنا لا يعود السؤال: هل نجح تحالف بينيت–لابيد؟ بل هل يستطيع هذا النجاح الصمود في بيئة سياسية متحركة، تتحدد ملامحها ليس فقط داخل المعسكر، بل أيضًا وفق مصير خصمه الرئيسي. حتى الآن، المعسكر نجح في منع الانهيار—لكنه لم ينجح بعد في بناء طريق إلى السلطة. ومفتاح ذلك لا يوجد في مركزه، بل إلى يمينه، وربما أيضًا في ما سيحدث على الضفة الأخرى من الخريطة السياسية.
ولا يعني الحديث عن سيناريو “اليوم التالي” داخل معسكر بنيامين نتنياهو أن اليمين في إسرائيل يعيش حالة هشاشة. على العكس، تشير الاتجاهات العامة إلى ترسّخ الميل اليميني كخيار سياسي ومجتمعي يتجاوز الأشخاص.
في هذا السياق، تبرز فرضيات حول هوية من قد يملأ أي فراغ محتمل في القيادة، ومن بينها ما يطرحه محللون مثل عميت سيغال بشأن إمكانية صعود أفيغدور ليبرمان. غير أن هذه الفرضية لا تعكس تحولًا في ميزان القوى داخل اليمين، بقدر ما تعبّر عن بحث داخلي عن قيادة بديلة ضمن المعسكر نفسه.
وهنا تتكثف مفارقة بينيت: فبينما يحاول التقدم من مركز المعسكر بوصفه “البديل”، قد يُعاد إنتاج اليمين من داخله، وبقيادة جديدة لا تكون جزءًا من هذا التحالف—ما يعيد الأزمة إلى أصلها: القوة في المركز لا تكفي، ما دام الحسم يُصاغ في اليمين.