حين تحضر إسرائيل، فلا يمكن إلا استدعاء أسوأ أنواع النوايا في تفسير سلوكها السياسي والأمني، ولكن عندما يتعلق الأمر بغزة لا تترك لنا مجالاً للشك. فما يجري في تلك المنطقة بعد سحقها هو استمرار للسحق بوسائل أخرى لا تقل ضراوة، هكذا يتحدث الغزيون الذين اعتقدوا أن وقف الحرب يعني عودة الحياة قبل أن يكتشفوا أن من يقف على الجانب الآخر على الحدود لديه رأي فاشي لهذا المكان.
يكتب المهندس هاني أبو عكر مختزلاً وجع غزة الطويل، قائلاً: «يا رب.. طفح بنا الكيل. في النهار جوع وقصف وقهر ودمار وفي الليل الناموس والبراغيث والبق والجرذان وعدم النوم. الموت رحمة لنا». هكذا يتمنى الغزيون الموت هذا بعد أن انتهت حلول الأرض ولم يبق غير مناشدة السماء، فغزة آخذة بالغرق لا محالة ويبدو أن كل ما يجري من محاولات إنعاش سياسية تصطدم بما تفكر به إسرائيل الفاعل الأكبر في غزة.
غزة هي دفيئة الثورة الفلسطينية بفصائلها وأحزابها وكفاحها الطويل وانتفاضتها، وهي مصدر التهديد بدءاً من نهاية أربعينيات القرن وصولاً للسابع من أكتوبر، وفي كل مرة تجرب إسرائيل فيها إخماد هيجانها الدائم، تعيد غزة ابتكار وسائل جديدة كي لا تصيبها بطالة الثورة على الاحتلال. لكن المرة الأخيرة في السابع من أكتوبر شكلت تهديداً لفكرة أن إسرائيل هي المكان الأكثر استقراراً ليهود العالم، وهنا أصيبت إسرائيل بالجنون ويبدو أنها قررت إعدام غزة بكل الوسائل واقتلاع هذه المنطقة المؤرقة، هكذا يقول الواقع وتؤكده الوقائع.
في حرب الإبادة قتلت إسرائيل حوالى 72 ألف مواطن وجرحت ما يقرب من 170 ألفاً «الأرقام المعلنة» أي حوالى 10% من سكان غزة، إضافة إلى مغادرة القطاع ما يقرب أيضاً من 10% أخرى، ما يعني أن 20% من سكان القطاع أصبحوا بين جريح وشهيد وطريد مهاجر، وهذا رقم صادم لمنطقة تتعرض لحرب بهذه البشاعة. لكن إسرائيل رغم كل الانتقادات الدولية كانت تسير وفق مخطط قرر القضاء على غزة واقتلاعها، وواضح أن الوسائل التي تستعملها بعد الحرب لا تقل ضراوة عن أنواع من التعذيب والموت الصامت.
حين حطت رحال بريطانيا شرق الأطلسي لتحتل ذلك البلد الخاص بقبائل المايا والإزتيك في أميركا، وقررت تفريغ المكان، لم يتوقف الأمر عند العمل العسكري المباشر، بل استمر بعده بكل الوسائل منها نقل الأمراض «الجدري» والترويع والتجويع والحروب الداخلية حتى تلاشى السكان الأصليون وأصبح البيض هم سكان الولايات المتحدة الأميركية. ودوماً ما تنقل إسرائيل عن التجارب الأميركية في الحروب وفي قتل البشر، فالقرار الإسرائيلي بالتخلص من المكان مرة واحدة وللأبد، لقد مر نصف عام على نهاية الحرب لكنها لم تتوقف بوسائل أخرى، يموت الناس يومياً قهراً وقتلاً بلا حماية وجوعاً بلا طعام، ومرضاً لأن المناعة تلاشت.
لا أظن أننا ذاهبون لتطبيق مرحلة ثانية، فقد قُدمت تلك في خطة الرئيس ترامب كرشوة تستدرج «حماس» للمرحلة الأولى لتطلق الأسرى، هذا كُتب مراراً عن الشك بإسرائيل عندما تُمَرحِل أي اتفاق، وهذا ما جرى في أحدث حلقة في سلسلة الخداع الطويلة .أما أن نتوقع أن تسمح إسرائيل بعودة الحياة الطبيعية، فهذا بات محل تشاؤم لم يتوقف عنده المراقبون وسكان غزة الذين يتعلقون بقشة الأمل، ولكن وصل اليأس للجنة الإدارية التي تم تعيينها لإدارة غزة فأصبح خبر دخولها لغزة على درجة من الاهتمام لينتهي بالنفي محطماً ما تبقى من آمال للغزيين.
وإذا كان الأمر كذلك، وهو واحد من سيناريوهات العقل الإسرائيلي الذي يهدف لتفريغ المكان بعد أن سيطر على أكثر من 60% من القطاع، فأي سياسات يجب على الأطراف الفلسطينية الفاعلة أن تمارسها حتى لا يتمكن الإسرائيلي من تنفيذ مشروع موت الحياة ودفع الناس لإخلاء المكان بعد القتل بكل الوسائل، وإلا كيف يمكن تفسير منع إدخال سموم القوارض؟
هناك ثلاث أطراف فاعلة في المشهد بدرجات متفاوتة، وهي حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية واللجنة الإدارية، ومطلوب منها في لحظة تاريخية سوداء أن تعمل بشكل آو بآخر على اتباع سياسات تقطع الطريق أو تعيق أو تجهض مشروع إسرائيل. والدور المناط بهذه الأطراف أولها «حماس» ألا تسمح باستخدام اسمها وسلطتها وحكمها وما تبقى من سلاحها مادة لإسرائيل لاستمرار إعدام غزة وإنجاح مشروع تفريغها، بل أن تسرع من انزياحها من الحكم، وثانيها السلطة التي تخطئ إذا كانت تنتظر نهاية «حماس» وبعدها لجنة لفترة زمنية لتتسلم بعدها غزة، هذا تصور قاصر بعيد عن وقائع ما يجري. فما يحدث هو استمرار للإبادة بوسائل أخرى والسلطة مسؤولة عن شعب يتعرض لها، وعليها أن تقيم الدنيا ولا تقعدها في الأمم المتحدة والجامعة العربية وكل المؤسسات والسفارات للسماح بإدخال ممكنات الحياة بأي شكل، وكذلك اللجنة التي باتت في حالة بطالة فهي حجر رحى نجاح أو فشل مشروع ترامب الذي لا يحب الفشل، عليها إعطاء سقف زمني محدد، وإلا فلتقدم استقالتها، فهذا أفضل لها من تعليق أمل وهمي كوسيلة ضغط، أو لمعرفة إذا كانت واشنطن جادة أم تاركة لإسرائيل هندسة المكان بعد المرحلة الأولى.