ما تُروّج له المصادر السياسية والعسكرية الأمنية الإسرائيلية من أن دولة الاحتلال تسعى وتعمل على إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط على طريقتها، وبما يخدم هيمنتها على المنطقة، هو ادعاء صحيح، تؤكده وقائع الاضطراب الكبير الذي تتعرّض له منطقة الشرق الأوسط منذ «طوفان الأقصى».
المخطّطات لم تعد في الأدراج، بل أصبحت على الطاولة ليس للدراسة أو إعادة النظر، وإنّما للتنفيذ الفعلي، وتترافق مع تصريحات رسمية.
الخطّة لم تبدأ مع «طوفان الأقصى»، بل سبقتها بكثير منذ أن دخلت دولة الاحتلال على خطّ بناء «سدّ النهضة» في أثيوبيا، لخنق مصر والسودان، وتهديد أمنهما القومي.
وكانت دولة الاحتلال قد حرّضت ودعمت الحرب الأهلية في السودان حتى وقعت القسمة بين شمال وجنوب، وجعلت من جنوب السودان قاعدة لها.
المفارقة أن جنوب السودان غرق في حالة من الفقر والتخلّف، ولم يجد الدعم الذي كان ينتظره ممّن دعموه وشجعوه على الانقسام.
ثم عاودت دولة الاحتلال التدخّل مع دولة عربية وقّعت معها «اتفاقات إبراهام»، لدعم الحرب الأهلية مجدّداً، عَبر ميليشيا «الدعم السريع» ليس فقط لنهب ثروات السودان من الذهب والثروات الأخرى، وإنما لإحداث انقسام آخر، ودعم استقلال إقليم دارفور.
يحصل هذا وبما ينطوي على مفارقة أخرى تتكرّر في السودان حيث دخل المجلس العسكري برئاسة عبد الفتاح البرهان في علاقات «تطبيعية» مع دولة الاحتلال ودون أن يشفع له ذلك بشيء.
التدخّلات الإسرائيلية المهدّدة للأمن القومي العربي لم تقف عند هذا الحدّ، وفي هذه المرّة، استهدف الأمن القومي للمملكة العربية السعودية عَبر تشجيع الانفصال في اليمن، وتشجيع الانفصاليين الجدد على الانضمام إلى «المعاهدات الإبراهيمية». ثم قامت بتحريض الانفصاليين في «أرض الصومال» لتطوير وإعلان علاقتها بدولة الاحتلال، الدولة الوحيدة التي اعترفت بالجماعة القائمة على «أرض الصومال».
في ظنّ دولة الاحتلال، وكما أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن الحرب التي تشنّها مع أميركا على إيران، والخليج العربي، أن نتائجها ستُفضي إلى تغيير خطّ إمدادات الطاقة من العربية السعودية والخليج، إلى «الغرب»، نحو ميناء حيفا، ومنها إلى أوروبا.
وربما تكون غزة مرشحة بحسب مخطّطات «الريفيرا» لأن تكون إحدى الموانئ التي يمكن توظيفها لتحقيق ذات الهدف، خصوصاً أن ثمة حديثا متواترا بشأن إقامة ميناء على شواطئها.
الاستيلاء على «محور فيلادلفيا»، على الحدود بين مصر والقطاع، والذي يشكّل خرقاً لاتفاقية «كامب ديفيد»، هو جزء مكمّل لخطة تهديد الأمن القومي المصري.
والخطة التي تستهدف تهجير سكّان القطاع إلى سيناء المصرية والتي كانت أحد أهم الأهداف الإسرائيلية المعلنة منذ بداية الحرب على القطاع، تشكّل فصلاً آخر خطيرا من فصول تلك الخطة.
هذا ليس كلّ شيء، فما تقوم به دولة الاحتلال في جنوب سورية من تحريض للدروز، بذريعة حمايتهم، واحتلالها لمناطق واسعة من جنوب سورية، وجبل الشيخ، وتدخُّلاتها لمنع توحيد واستقرار ونهوض الدولة السورية، ذلك، أيضاً، فصل آخر من الخطّة الشاملة.
لا يكتمل المخطّط، إلا بتدمير الدولة اللبنانية، التي تعتبرها دولة الاحتلال دولة فاشلة. تحت ذريعة تجريد المقاومة اللبنانية من السلاح تسعى دولة الاحتلال إلى خلق فتنة داخلية تؤدّي إلى حرب أهلية تقضي على المعتدل والمتطرّف في لبنان بحيث يكون لقمة سهلة البلع.
دولة الاحتلال في جنوب لبنان، تحاول التوسّع وعدم التوقّف عند حدود نهر الليطاني، وهي إن توقّفت عند بضعة كيلومترات من الجنوب، فإنها مُرغمة على ذلك، ولكنها لا تنوي التوقّف.
لبنان الرسمي، أعلن استعداده للمفاوضات مع الدولة العبرية، بأمل وقف العدوان، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها.
دولة الاحتلال لن تنسحب من الجنوب، ولن تتوقف عن ممارسة العدوان والمفاوضات ليست أكثر من مناورة، أو غطاء لمواصلة العمل الذي فشلت في تحقيقه حتى الآن.
تطالب دولة الاحتلال لبنان الدولة، أن تقوم بنزع سلاح «حزب الله» في كل أنحاء لبنان قبل الحديث عن أي شيء آخر، فهي لا تحتاج إلى اعتراف لبنان بدولة الاحتلال، ولا لإبرام «اتفاقيات سلام» معه طالما أن، لبنان كله هدف للتوسّع الإسرائيلي.
دولة الاحتلال صغيرة، وتحتاج لأن تكون أكبر، هكذا قال رئيس أميركا دونالد ترامب. العقدة أمام دولة الاحتلال، موجودة في أكثر من مكان فهي فشلت في غزّة، رغم أنها تحتلّ أكثر من 60% من أرض القطاع.
وهي فشلت في تنفيذ مخطّطات التهجير بسبب صمود الفلسطينيين، وبسبب الموقف المصري الصَّلْب، حتى في الضفّة الغربية التي كانت جزءاً من عملية التهجير نحو الأردن، فشلت دولة الاحتلال بالرغم من نجاحها في تدمير معظم مخيّمات الضفة، وتوسيع عملية النزوح والتهجير الداخلي.
فشلت في اليمن بسبب اليقظة السعودية، ولا يبدو أن مشروعها لتغيير مسار تدفُّق الطاقة عَبر موانئها، قابل للتحقيق، وأيضاً بسبب رفض العربية السعودية وبعض دول الخليج العربي.
إيران عُقدة أساسية، كانت دولة الاحتلال تراهن على سقوطها خلال أيّام قليلة، لكي يشكّل ذلك انهيار جبل الجليد، الذي يعترض مسار «التايتانيك»، صمدت إيران، ولا تزال الحرب جارية بوسائل متعدّدة.
الشرق الأوسط يتغيّر نعم، ولكن في اتجاه مغاير لما خطّطت له دولة الاحتلال وأقنعت إدارة ترامب بإمكانية وسهولة تحقيقه.
ثمّة خارطة جديدة للتحالف، فبينما كانت أميركا هي ضامن أمن الخليج، وتأمل في تشكيل «حلف سنّي معتدل» تكون دولة الاحتلال على رأسه، أصبحت الأخيرة على قدمه، حيث يتشكّل محور إسلامي قوي من العربية السعودية وتركيا وباكستان ومصر.
الشرق الأوسط يتغيّر هذه حقيقة، ولكن ستقدّم الأشهر القادمة المزيد من التطوّرات والمؤشّرات، على أن دولة الاحتلال لا تخرج من المنطقة فقط، وإنّما تخرج من الفضاء الدولي، الذي يتغيّر هو الآخر في غير سرديّتها.