التضارب الإيراني: بين رواية إسرائيلية عن الانقسام وواقع مناورة محسوبة
نشر بتاريخ: 2026/04/21 (آخر تحديث: 2026/04/21 الساعة: 19:38)

في اللحظات التي تسبق الحسم، يصبح الغموض سياسة بحد ذاته. هذا ما تعكسه الرسائل الإيرانية المتناقضة بشأن المشاركة في جولة المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد، في ظل اقتراب انتهاء مهلة وقف إطلاق النار. غير أن هذا التضارب، كما يُقدَّم في الخطاب الإسرائيلي، لا يُقرأ فقط كحالة ارتباك، بل كنافذة لإعادة تفسير سلوك إيران، وربما أيضًا كأداة ضغط بحد ذاته.

في التحليلات الإسرائيلية، يتقدّم المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، عاموس هرئيل، الذي يحاول تفكيك هذا المشهد. فهو لا يكتفي بوصف التناقض، بل يربطه ببنية القرار داخل إيران، مشيراً إلى “خلاف آخذ في الاتساع بين الحرس الثوري والقيادة السياسية” حول جدوى استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة. هذه القراءة تعكس ميلاً إسرائيلياً متكرراً إلى تفسير سلوك الخصم من خلال فرضية الانقسام الداخلي، خصوصًا عندما يتسم هذا السلوك بالغموض أو التردد.

لكن السؤال الأهم هنا: هل ما يبدو خلافاً هو بالفعل أزمة قرار، أم أنه جزء من إدارة تفاوضية محسوبة؟

القراءة الإسرائيلية تفترض أن الجناح العسكري في إيران يميل إلى التشدد، مدفوعاً باعتبارات الردع والهيبة، بينما يسعى السياسيون إلى كسب الوقت وتفادي ضربة أمريكية–إسرائيلية محتملة. غير أن هذا التوصيف، رغم وجاهته الظاهرية، قد يكون تبسيطياً. فالنظام الإيراني، بطبيعته، لا يعمل وفق ثنائية حادة بين عسكري ومدني، بل ضمن تداخل معقد لمراكز القوة، حيث يُعاد إنتاج القرار عبر التوازن لا عبر الحسم السريع.

من هنا، يمكن فهم السلوك الإيراني ضمن ثلاث طبقات متداخلة، لا ثلاث فرضيات منفصلة. أولها، الغموض كأداة تفاوض. فعدم الإعلان عن إرسال وفد، أو تأخير ذلك حتى اللحظة الأخيرة، ليس بالضرورة علامة ضعف، بل قد يكون وسيلة لرفع سقف التوقعات والضغط، خصوصاً في مواجهة تهديدات مباشرة من دونالد ترامب، الذي لوّح صراحة بعواقب “لن تكون حميدة” إذا فشلت المحادثات.

ثانيها، إدارة الصورة. إيران تدرك أن الظهور بمظهر الطرف الذي يسارع إلى التفاوض تحت الضغط الأمريكي يضر بموقعها الإقليمي. لذلك، فهي تحاول إبقاء مسافة محسوبة بين الاستعداد للتفاوض وعدم الانخراط العلني فيه، بما يحفظ توازنها الداخلي ورسائلها الخارجية في آن واحد.

أما الطبقة الثالثة، فهي احتمال وجود فجوات حقيقية داخل النظام، لكن ليس فقط بالمعنى الذي تفترضه الرواية الإسرائيلية بوصفه انقساماً بين معسكرات متصارعة. فالمسألة قد تتجاوز ذلك إلى خلل في تقدير اللحظة السياسية نفسها. بطء اتخاذ القرار، وتعدد الإشارات، لا يعكسان فقط آلية معقدة لإنتاج التوافق داخل نظام متعدد المراكز، بل قد يشيران أيضاً إلى تباين في قراءة المخاطر والفرص: كيف تُفهم التهديدات الأمريكية؟ وما حدود القدرة على المناورة دون الانزلاق إلى مواجهة؟

في مثل هذه الحالات، لا يكون التناقض مجرد أداة تفاوض، بل نتيجة مباشرة لعملية صنع قرار غير مكتملة، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية، دون أن تنجح في إنتاج موقف موحد بالسرعة التي تفرضها اللحظة.

في هذا السياق، لا يمكن فصل التحليل الإسرائيلي عن مصلحته الضمنية. فالإيحاء بوجود انقسام في طهران يخدم سردية أوسع: أن الضغط يعمل، وأن خصماً مرتبكاً قد يرضخ بشروط أفضل. وهي سردية تتقاطع أيضاً مع توجهات دونالد ترامب، الذي لا ينبغي الاستخفاف بقراراته، خصوصاً في ما يتعلق بالتصعيد.

لكن بعيداً عن الروايات، يبقى الاختبار الحقيقي في السلوك. فالساعات القادمة ستكشف ما إذا كان الغموض الإيراني مقدمة لانخراط متأخر في المفاوضات، أم تمهيداً لانسحاب محسوب منها. وصول الوفد الأمريكي إلى باكستان دون حضور إيراني سيُقرأ كإشارة سلبية، وقد يدفع نحو التصعيد، إلا إذا نجح الوسطاء في انتزاع تمديد تقني قصير يتيح استكمال الترتيبات.

هنا يبرز عامل ميداني لا يقل أهمية: كيفية رد إيران على الضغوط المباشرة، بما في ذلك قضية احتجاز سفينتها. رد تصعيدي سيعني أن طهران تميل إلى كسر المسار التفاوضي، أما ضبط النفس فسيُقرأ كإشارة واضحة إلى إبقاء الباب موارباً أمام تسوية لم تنضج بعد.

لا يبدو “التضارب” الإيراني، كما تصوّره التحليلات الإسرائيلية، مجرد أداة ضغط أو مناورة تفاوضية محكمة، كما لا يمكن اختزاله في رواية الانقسام الداخلي وحدها. ما يتكشف هو مزيج أكثر تعقيداً: توازنات داخلية حساسة، تقاطع بين مراكز قوة متنافسة، ومحاولات لإدارة التفاوض تحت ضغط غير مسبوق،،لكن أيضاً، هامش من سوء التقدير.

فالتأخر في الحسم، وتعدد الرسائل، لا يعكسان فقط براعة في إدارة الغموض، بل قد يشيران أيضاً إلى ارتباك في تقدير اللحظة: متى يجب التصعيد، ومتى يجب الانخراط، وأي كلفة يمكن تحمّلها. وهنا تحديداً، يلتقي “التكتيك” مع “الخلل”، لا بوصفهما متناقضين، بل كعنصرين متداخلين في سلوك دولة تواجه ضغوطاً عسكرية وسياسية في آن واحد.

في هذا المعنى، يصبح القرار الإيراني، الحضور إلى المفاوضات أو الغياب عنها، ليس فقط خياراً استراتيجياً، بل اختباراً لقدرة النظام نفسه على إنتاج قرار متماسك تحت الضغط. وبين مناورة لم تكتمل، وتقدير قد لا يكون دقيقاً، تقف المنطقة أمام لحظة حاسمة: إما تمديد هش لتهدئة مؤقتة، أو انزلاق سريع نحو مواجهة أوسع، قد لا تكون كل أطرافها قد أحسنت تقدير كلفتها.