في السنوات الأخيرة، تحولت الحروب المحدودة جغرافياً وميدانياً إلى ساحات مراقبة دقيقة بالنسبة إلى الصين، التي تتابع عن كثب كيفية إدارة الولايات المتحدة لصراعاتها الخارجية، بهدف فهم آليات القوة ونقاط الضعف في الأداء العسكري والسياسي الأمريكي.
وفي هذا السياق، برزت الحرب التي خاضتها واشنطن إلى جانب إسرائيل ضد إيران كواحدة من أبرز النماذج الحديثة التي تقدم لبكين مشهداً متكاملاً يجمع بين التفوق الجوي، وحرب الطائرات المسيّرة، والضغوط الاقتصادية، إضافة إلى اختبار قدرة الأنظمة الغربية على الاستمرار تحت الضغط.
وقد تناولت ساوث تشاينا مورنينغ بوست هذه المسألة في سلسلة تحليلية من ثلاثة أجزاء، ركزت على كيفية تأثير هذه الحرب في إعادة تشكيل حسابات بكين تجاه أي تحرك عسكري محتمل ضد تايوان. وترى الصحيفة أن الصين لا تنظر إلى ما جرى في الشرق الأوسط كحدث منفصل، بل كمرآة تعكس ملامح صراع مستقبلي محتمل، واختبار عملي لما يمكن أن تفعله واشنطن – وما قد تعجز عنه – في مواجهة خصم صلب.
مختبر عملي للدروس العسكرية
تصف التحليلات هذه الحرب بأنها بمثابة "مختبر ميداني" تتابع من خلاله بكين كيفية استخدام الولايات المتحدة لعناصر تفوقها العسكري، ومحاولتها الحفاظ على زخم عملياتي في حرب مكلفة سياسياً وعسكرياً.
ورغم أن الجيش الأمريكي ما زال يمتلك قدرات عالية على نشر القوة بسرعة وفعالية، فإن مجريات الحرب أظهرت أن مواجهة خصم يتمتع بقدرة كبيرة على الصمود والمرونة لا يمكن حسمها عبر القوة الجوية وحدها. ويُعد هذا الاستنتاج من أبرز النقاط التي تستوقف المخططين الصينيين عند التفكير في سيناريو محتمل حول تايوان.
كما توفر هذه المواجهة فرصة نادرة للصين لتحليل أداء عسكري حديث في ظروف حرب فعلية، دون أن تتحمل كلفة الانخراط المباشر، خاصة أن جيشها لم يخض حرباً واسعة منذ عقود.
جيش متطور وتغير مفاهيم الحسم
تعيد الحرب التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك جيشاً متطوراً يعمل على تحديث عقيدته باستمرار، غير أن الصين ترى نفسها أيضاً قوة عسكرية متقدمة، خاصة بعد التحولات التي شهدها جيشها منذ تسعينيات القرن الماضي.
ويبرز في هذا السياق التحول في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم يعد التفوق الجوي العامل الحاسم الوحيد، في ظل صعود دور الطائرات المسيّرة، والأنظمة غير المأهولة، والصواريخ الدقيقة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وبناء على ذلك، تشير التقديرات إلى أن أي محاولة أمريكية لحسم سريع في مضيق تايوان عبر السيطرة الجوية قد تكون أقل فاعلية مما كانت عليه في العقود السابقة.
معادلة التكلفة والاستنزاف
من أبرز الدروس التي تستخلصها بكين من هذه الحرب مسألة التكلفة في الحروب غير المتكافئة، حيث أظهرت المواجهة أن استخدام منظومات دفاعية باهظة الثمن لاعتراض تهديدات منخفضة الكلفة، مثل الطائرات المسيّرة، يؤدي إلى استنزاف سريع للموارد.
ففي الوقت الذي تعتمد فيه الولايات المتحدة على صواريخ اعتراضية باهظة، تستطيع الأطراف الأخرى استخدام أدوات أقل تكلفة وأكثر عدداً، ما يخلق اختلالاً في معادلة الاستدامة العسكرية.
وفي المقابل، تدرك الصين أن هذه المعادلة قد ترتد عليها أيضاً، إذ يمكن لخصومها استخدام الأسلوب ذاته لإضعاف قدراتها في حال نشوب صراع طويل.
القدرة على الصمود والتماسك الداخلي
تركز التقديرات الصينية كذلك على مسألة الصمود، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضاً من حيث القدرة السياسية والاقتصادية على تحمل تبعات الحرب.
وقد أظهرت الحرب أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها، تواجه تحديات تتعلق بالانقسامات الداخلية، والضغوط السياسية، وتباين مواقف الحلفاء، وهو ما قد يؤثر على قدرتها على الاستمرار في صراع طويل.
ومن هذا المنظور، ترى بكين أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، وأن الحفاظ على الدعم الداخلي والتحالفات الدولية يمثل عاملاً حاسماً في أي مواجهة ممتدة.
حدود المقارنة وتعقيد المشهد
ورغم كثافة المقارنات، يشدد محللون صينيون على أن إسقاط تجربة إيران بشكل مباشر على سيناريو تايوان يبقى محدود الدقة، نظراً لاختلاف السياقات الجغرافية والسياسية.
فأي صراع حول تايوان قد يتوسع ليشمل قوى إقليمية ودولية عدة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، إضافة إلى تأثيره المباشر على واحد من أهم الممرات التجارية في العالم، ما يرفع كلفته إلى مستويات كبيرة.
كما أن استهداف البنية التحتية الحيوية، مثل منشآت الطاقة، قد يحول أي نزاع محدود إلى حرب استنزاف طويلة، وهو سيناريو يحمل تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة.
خلاصة المشهد
في المحصلة، تشير التحليلات إلى أن الدروس التي تستخلصها الصين من حرب إيران ستكون تراكمية وليست فورية، حيث تعزز هذه التجربة قناعة بأن التفوق العسكري والتقني لا يضمنان تحقيق نصر سريع.
كما تؤكد أن الحروب الحديثة باتت تقوم على مزيج من الكفاءة التكنولوجية والقدرة على الصمود طويل الأمد، وأن معادلات الكلفة والاستنزاف أصبحت عنصراً مركزياً في تحديد نتائج الصراعات.
ومع ذلك، يبقى خيار المواجهة حول تايوان معقداً ومحفوفاً بالمخاطر، إذ إن اندلاع مثل هذا النزاع لن يكون حدثاً إقليمياً محدوداً، بل تطوراً ذا تداعيات عالمية واسعة النطاق.