هل ينزل ترامب عن الشجرة؟
نشر بتاريخ: 2026/04/16 (آخر تحديث: 2026/04/16 الساعة: 17:59)

لقد أصبح واضحاً، سواء قبل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والمنطقة أنه لا يمكن البناء على ما يصدر عن رئيس أميركا دونالد ترامب. هو يعلن موقفاً ونقيضه، ولا يتورّع عن ممارسة الكذب البواح، والتضليل، وإسقاط الرغبات، وهو يفتقد المصداقية فيما يتعلق بما يمكن الإعلان عن موافقته عليه.

الشواهد على ذلك تكاد لا تحصى، وآخرها ما تعلّق بشمول لبنان ضمن إطار وقف إطلاق النار الساري المفعول حتى الآن.

في آخر تغريداته، التي تتدفق كل ساعة، يقول «إن الحرب توشك على الانتهاك، وإن المفاوضات تجري على نحو جيد، لأن الإيرانيين يرغبون في التوصّل إلى صفقة.

كلام فارغ، يسترسل ادعاءاته، بأنه حقق الانتصار ولم يبق ما يمكن لقوّاته أن تفعله بعد أن دمّرت القوات البحرية الإيرانية، والقدرات الصاروخية، والدفاعات الجوّية، والبنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني.

إذا كان الأمر كذلك فعلاً، فلماذا وقف إطلاق النار وليس وقف الحرب، ولماذا المفاوضات التي يمكن فقط أن تنحصر في ملف مضيق هرمز؟ إذا كانت إيران قد فقدت كل قدراتها الدفاعية إلّا من بعض الصواريخ والمسيّرات، محدودة الكمّ والقدرة، فإنه لم يبق لدى إيران ما يجعلها تصمد وتتحدّى الشروط الأميركية، وترفض الاستسلام.

وإذا كان الأمر على هذا النحو، فماذا عن الجبهات المشتعلة التي تديرها دولة الاحتلال بدعم أميركي أو تواطؤ، في لبنان، وقطاع غزّة، والضفة الغربية، والمرجّح أن تتصاعد في سورية؟

ثمة استعصاءات عديدة، فيما يتعلق بملف هذه الحرب، سواء كانت عَبر الوسائل القتالية، أو عَبر المفاوضات، أو الحصار الذي تفرضه القوات الأميركية على المضيق وإيران ولكن يبدو أن ثمة استعصاء مهمّاً، يكاد يعطّل إمكانية التوصّل إلى حلول تنهي الحرب.

هذا الاستعصاء يدور حول من يتخذ القرار ولديه القدرة على الحسم، تتزايد الإشارات، والاتهامات القادمة من واشنطن بأن هذه الحرب هي حرب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وأن ترامب تورّط فيها على غير رغبته.

الإشارات تصل إلى حدّ أن نتنياهو يمارس عملية ابتزاز واضحة للإدارة «الجمهورية»، إذا كان هذا الاتهام ينطوي على مصداقية، فإن ذلك يذهب إلى أن المسألة تتعدّى تأثير اللوبي الصهيوني على الإدارة، وإن كان هذا التأثير موجوداً فعلاً.

تأثير اللوبي الصهيوني على إدارة ترامب، لا مجال للشكّ فيه لكنه آخذ في التراجع، على خلفية الانقسامات التي يشهدها تيار «ماغا»، والقاعدة الانتخابية لـ»الجمهوريين»، إلى الحدّ الذي يهدّد سيطرة «الجمهوري» بل والرئيس ترامب على السلطة.

ثمة ورقة خطيرة في يد نتنياهو، يستخدمها في ابتزاز ترامب، والأرجح أن لها علاقة بملفات إبستين، الذي لم تنجح كلّ المحاولات في إقصائه عن دائرة الاهتمام.

يظهر هذا الملف، بين الحين والآخر، رغم أن الحرب الأميركية على فنزويلا، ومن ثم على إيران، وحرب ترامب على «الناتو»، وما تبقّى من الحلفاء، رغم أن كل ذلك، يندرج في سياق محاولة دفن هذا الملف، الذي ينطوي في حال فتحه على الآخر، على فضائح فساد أخلاقي وسياسي، للنخب السياسية في أميركا وسواها.

في بعض محصّلة هذه الحروب، يبدو أن أميركا قد غامرت بالكثير من مصالحها، وحلفائها، ليس في منطقة الشرق الأوسط وحسب، وبأنها ضربت هيبة الدولة الأقوى في العالم، أمام دولة من العالم الثالث محدودة القدرات.

هل كان ذلك خطأً حسابياً أو استخبارياً، أم أنه يعكس حقيقة تتصل بأولوية المصلحة الإسرائيلية على الأميركية، من دون فعل واعٍ من قبل الإدارة الأميركية، ومن موقع الخضوع للابتزاز الإسرائيلي، واستناداً إلى ثقة زائدة وغير واقعية لقدرات الحلف الأميركي الإسرائيلي في الحسم السريع للحرب، وتحقيق أهدافها.

ثمة جملة من التفاعلات الداخلية، الخطيرة على الحزب الجمهوري وعلى الرئيس ترامب، خصوصاً في ضوء اقتراب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس التي تهدّد بسيطرة «الديمقراطيين» على المؤسسة التشريعية، والبدء بإجراءات عزل ترامب، الذي تتراجع شعبيته على نحو مطّرد.

هذا الوضع، حريّ بأن يدفع الإدارة الأميركية، للتوقف عند نقطة ما، وأن تجد سبيلاً، للنزول عن شجرة الشروط المستحيلة التي تتمسّك بها، بحيث تخرج بأقل الخسائر الممكنة، هذا إن كان القرار بيد ترامب، وإن كان ثمة من يجرؤ على مخالفة الرأي في الإدارة أو الكونغرس.

«الديمقراطيون» في الكونغرس خلعوا القفّازات القطنية، التي ارتدوها كل الوقت، فهذا تشاك شومر، زعيم «الديمقراطيين» في مجلس الشيوخ يسمي سياسة ترامب تجاه إيران، باسمها الحقيقي، بما أنها ليست عملية «الغضب الملحمي» بل عملية الفشل الملحمي.

«الديمقراطيون» يعاودون محاولة الحدّ من صلاحيات شن الحرب لدى ترامب، عَبر مشروع قرار في «الشيوخ»، يحتاج إلى انضمام عدد من أعضاء الكونغرس «الجمهوريين» حتى يحظى بموافقة الكونغرس.

ربما كان الأمل ضعيفاً في أن يتخذ الكونغرس مثل هذا القرار، بسبب تمسّك الأعضاء «الجمهوريين» بدعم ترامب، وأيضاً بسبب تدخّل وضغط اللوبي الصهيوأميركي، ولكن هذا يعني أن «الحرب» تتصاعد في الداخل، بموازاة استمرارها في الخارج.

لن تفيد ترامب، الوصفة التي عثر عليها للتراجع، وهي قراره بضرب حصار غير مُحكَم على حركة مرور السفن عَبر المضيق، فإذا كان ذلك يشكّل حصاراً على إيران، فإن إيران ترد بحصار على كل موانئ الخليج، الخناق يضيق حول رقبة ترامب الذي يخسر كل يوم حليفاً، فهل يعود عن عناده، ويصل إلى صفقة مع إيران تُنهي الحرب؟