ترامب وصل إلى طريق مسدود!
نشر بتاريخ: 2026/04/16 (آخر تحديث: 2026/04/16 الساعة: 17:59)

اختنق رئيس أميركا دونالد ترامب، وبات القاصي والدّاني، وكلّ دولة في هذا العالم، وكلّ مراقب موضوعي ومُنصف، يدرك أن الحلول العسكرية قد تراجعت بصورة جذرية، وحلّت في مكانها الإجراءات والتدابير الاقتصادية المجزوءة، غير الفاعلة، وغير القابلة للاستدامة بأيّ حال من الأحوال، وذلك لأن هذه الإجراءات ستعود لكي تتحوّل في مردودها المتوسّط على أبعد حدّ إلى مردود عكسي يضرب بعمق الاقتصاد العالمي، ولن يفلت منه الاقتصاد الأميركي، وربّما قبل غيره.

لا جدوى من إعادة التذكير بفشل الأهداف الأميركية، وبالتالي الأهداف الإسرائيلية لأنها شبعت فشلاً، لكن التذكير بها هو للتأكيد على انحسار الخيارات الميدانية، وعلى عُقم استمرار الاعتماد عليها أو اعتمادها، وعلى ضرورة البحث عن بدائل عملية لها.

وطالما أن الإجراءات الاقتصادية الجديدة ليست هي في الواقع سوى مرحلة مؤقّتة وقصيرة، وهي إجراءات قابلة للردّ عليها، وتتوفّر لإيران القدرة على مجابهتها وصدّها، وتحويلها إلى «سلاح» مضادّ تكون أميركا عموماً، والإدارة الأميركية تحديداً قد دخلت الحل السياسي برجليها حتى ولو تأثّرت صادرات النفط الإيرانية، وتستطيع إيران التعايش مع حصار لشهور طويلة.

وتستطيع إيران أن تحوّل الحصار على موانئها إلى حصار شامل لكامل منطقة الخليج العربي، وهو الأمر الذي سيفاقم الأمور إلى درجة أقوى وأشدّ من «الإغلاق» الذي تتحكّم به إيران باقتدار وكفاءة حتى الآن.

وإذا استثنينا «فشخرات» ترامب فما تبقّى له واقعياً هو الحل السياسي كحلّ ممكن في إطار الحسابات بكل أنواعها.

واضحٌ تمام الوضوح أن ترامب بات يحصر الخلاف مع إيران في نقطة واحدة ووحيدة، وهي ليست الملف النووي كلّه، وإنما بما فيه عدم السماح لإيران بالوصول إلى السلاح النووي.

أرجوكم أن تدقّقوا في فحوى هذا الخلاف!

هذا خلاف كاذب ومخادع ومفتعل، وهو محاولة ساذجة وسطحية يُراد منها التضخيم والتهويل بهدف «الافتخار» الأميركي كحالة «انتصار» كبيرة ومبهرة عند الاتفاق عليه.

وعندما تصل الأمور إلى هذه النقطة يكون ترامب قد تفادى الانزلاق السياسي إلى هاوية الأزمة الداخلية، وتفادى انزلاق الاقتصاد العالمي إلى أزمة قد لا يتمكن من تحمّل تبعاتها، وخصوصاً الاقتصاد الأميركي الذي بات على حافّة الركود بعد أن بدأت مؤشّرات جديدة منها تطفو على سطح الواقع.

وفي الشأن الاقتصادي تحديداً فإن من اللافت للانتباه بصورة خاصة بأن أكثر من 100 مليون أميركي لم يعد باستطاعتهم سداد أقساط بطاقات الدفع الائتماني من أصل حوالي 200 مليون يحملون هذه البطاقات، علماً بأن هذا الرقم لم يكن قد وصل إلى 40 مليون أميركي مع بداية العام الحالي، هذا بالإضافة إلى العجوزات المتزايدة في دفع أقساط البيوت، هذا مؤشّر اقتصادي له من الأبعاد الاجتماعية ما يكفي ويزيد.

وإذا ما عدنا إلى مبيعات الأسلحة الأميركية، فإن ما يلفت الانتباه هنا، وبصورة خاصة للغاية هو أن السلاح الأميركي لم ينتج، ولم يصمَّم بالأساس لاستخدام جيش قادر على خوض المعارك إلّا في مجالات معيّنة، وذلك لأن الهدف من إنتاج السلاح هو الربح، وهو ما يظهر جلياً من خلال أسعار الطائرات التي تصل إلى 100 مليون دولار للطائرة الواحدة، كما أن كلفة الدفاعات الجوية تُعتبر باهظة جداً بالمقارنة مع كلفة ما يمكنها إسقاطه من الصواريخ والمسيّرات المنخفضة التكلفة.

كل الأسلحة الأميركية باهظة الثمن، ولم تعد لها المميّزات المتفوقة التي كانت لها قبل الحرب الأخيرة، وإمكانيات تكنولوجيتها العالية تمنع غزارة الإنتاج، والشركات المنتجة محدودة القدرة على هذه الغزارة، وتسويق الأسلحة المطلوبة للحرب محدود ومقيّد، ومنخفض الأرباح نسبياً.

وبالتالي فإن التعويل على المجمّع الصناعي العسكري في «إنعاش» الاقتصاد في أميركا لم يعد تعويلاً يمكن الركون إليه واقعياً.

وأما في مجال الطاقة فإن فشل الحرب على إيران، وبقاء مصادر النفط والغاز رهينة للتطورات الميدانية في كل منطقة الخليج العربي، يحوّل أزمة الطاقة في إعادة إنعاش الاقتصاد الأميركي إذا ما تعثّر الحل السياسي لأزمة الحرب، إلى أزمة جديدة تزيد من الأزمة الداخلية الأميركية التي تبدو أنها في تفاقم مستمر وبوتائر عالية للغاية.

في ضوء كل هذه المعطيات، ومعطيات أخرى كثيرة، لا يتسع المقال لتناولها أو استعراضها يصبح الاستنتاج بالذهاب إلى الحل السياسي هو أقرب إلى الممرّ الإجباري، وليس مجرّد خيار من الخيارات.

ومما يرجِّح هذا الخيار أن إيران هي بالأساس لديها من الاستعداد للتعاطي مع «جزئية» عدم امتلاكها للسلاح النووي ما يمكنها من تحويل «التنازلات» الإيرانية إلى خشبة الخلاص التي يبحث عنها ترامب للخروج من الورطة التي بات يعرف الجميع أنه أدخل نفسه بها، وأصبح الحل الوحيد أمامه الآن هو وقف الحرب ثم إنهاؤها، وفي إطار كلّي على ما يبدو، وبما يتجاوز الأزمة الأميركية الإيرانية، وبما يتصل مباشرةً بمنطقة الخليج، وكذلك بكامل الصراع في الإقليم الشرق أوسطي كلّه بعد أن تبيّن بأن هذه الرغبة أصبحت، أو هي تتحوّل موضوعياً من رغبة إلى إرادة دولية، وإلى حاجة وضرورة إقليمية، وإلى السبيل الوحيد لإبقاء الأزمة الأميركية عند حدود ما زالت قابلة لتجاوز وتفادي الانفجار.

الأزمة التي يعاني منها ترامب، وهي «التوفيق» ما بين «طموحه» للسلم وما بين المصالح الإسرائيلية، والضغوطات والابتزازات التي يمارسها نتنياهو ضد مصالح أميركا الحيوية والحقيقية، وخصوصاً في هذه المرحلة بالذات من مؤشّرات أفول دور ومكانة أميركا عالمياً، والذي بلغته إمبراطوريتها للهيمنة الاستعمارية.

وهنا لا تبدو أزمة «تأمين» الدور الإسرائيلي سهلة ولا ممكنة في بعض مظاهرها. ولعلّ أهم هذه المظاهر أن «اليمين» العنصري في دولة الاحتلال قد حرق السفن، ولم يُبقِ مجالاً لأي تعاطٍ مع نتائج الحرب الفاشلة على إيران. وبالتالي فإن استمرار الحرب على لبنان هو المخرج الإجباري لحكومة التطرّف والعنصرية الإسرائيلية، والحلّ الذي «تنادي» به دولة الاحتلال هو الحل الوحيد الذي يضمن الفشل المؤكّد بالرغم من «التهليلة» السياسية التي ترافق وتترافق مع «الهمروجة» الإعلامية العالية الصراخ لإخفاء حقيقة العويل.

موضوعياً أصبحنا اليوم أمام تناقض حاد، وستظهر معالمه الأولى قريباً بين التوجّه لحل أزمة الحرب على إيران سياسياً، وما بين إستراتيجية دولة الاحتلال لفرض أجندة سياسية على الإقليم مستحيلة التحقّق بالاصطدام مع العالم كلّه.

دولة الاحتلال لم تعد تمتلك أوراق هذا الصدام، وقد تمّ نزع كل أو معظم الأسلحة التي كانت تساعدها على خوض المعارك والحروب، وهي ستراوح فقط في منطقة مناورة مؤقّتة ما تلبث أن تتلاشى، وأن تتحوّل إلى ما بعد مجرّد فشل إستراتيجي في هذه الحرب.