نحو مراجعة وطنية لخطة ترمب تجاه غزة
نشر بتاريخ: 2026/04/15 (آخر تحديث: 2026/04/15 الساعة: 23:08)

لم يكن أمام فصائل العمل الوطني الفلسطيني، بمعظم مكوناتها السياسية والمجتمعية، خيار سوى الترحيب بخطة ترمب المكونة من عشرين بندًا، والتي تشرعنت دوليًا من خلال قرار مجلس الأمن 2803.

فأمام استمرار حرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني في القطاع لمدة تزيد عن عامين، وعجز المجتمع الدولي عن إيقافها، كان هذا الخيار هو الوحيد المطروح.

تضمن القرار إعطاء الرئيس ترمب صلاحيات واسعة عبر رئاسة مجلس السلام وتشكيل هيئاته المتعددة.

تجاوز القرار قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي تستند إليها القضية الفلسطينية، وتم استبدالها بمجلس السلام.

تضمن القرار مخاطر، منها فصل القطاع عن الضفة وتحويله إلى مُعطى عقاري استثماري، حيث اتضح ذلك من خلال خطة كوشنير التي عُرضت في قمة دافوس، في محاولة لاستبدال الخطة المصرية العربية التي تستجيب للاحتياجات والأولويات الوطنية في مجال الإعمار.

ورغم أن الخطة تستند إلى مراحل وتشترط التزامات متبادلة بين أطراف النزاع، إلا أن دولة الاحتلال لم تلتزم بالمرحلة الأولى التي تتضمن إدخال المساعدات بكميات كافية وفتح معبر رفح بوصفه معبرًا فلسطينيًا مصريًا وفق اتفاق 2005. وعلى العكس من ذلك، فقد فرضت شروطًا مقيدة خاصة بعودة السكان وفق أعداد محدودة جدًا، وضمن آلية رقابة وتفتيش حاطة بالكرامة، كما استمرت بشن الهجمات على الشعب الفلسطيني ومخيمات النزوح، والتوغل غرب الخط الأصفر، بحيث أصبح جيش الاحتلال يسيطر على مساحة تصل إلى 60% من مساحة القطاع.

تشترط دولة الاحتلال، وبتواطؤ أمريكي، الدخول إلى المرحلة الثانية عبر نزع سلاح حماس، دون أن تلتزم بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، وكذلك دون التزام متبادل منها بما يتعلق بالانسحابات التدريجية وصولًا إلى الانسحاب الكامل من القطاع.

يصرح قادة الاحتلال بأن الخط الأصفر هو خط حدودي لهم، وأنهم لن ينسحبوا منه، كما تُظهر مؤشرات تؤكد استمرار نواياهم باتجاه التهجير.

تتضح مخاطر التهجير من خلال منع عملية إعادة الإعمار، بما يشمل إدخال الكرفانات والخيام، وعدم السماح بإدخال لجنة التكنوقراط الفلسطينية، والحديث عن إقامة مدينة في رفح تتوفر فيها بعض التسهيلات من كرفانات وعيادات ومدارس وغيرها، إلى جانب الاعتراف بجمهورية أرض الصومال، والحديث عن إمكانية تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إليها.

قام المبعوث السامي لمجلس السلام، ميخائيل ميلادينوف، بتقديم خطة لحركة حماس وباقي الفصائل.

تتضمن الخطة خطوات لنزع السلاح تبدأ بالسلاح الثقيل وخارطة الأنفاق، ثم الانتقال إلى السلاح المتوسط مع الإبقاء على السلاح الخفيف لدى حماس.

تنطوي الخطة المذكورة على مخاطر، حيث لا تتضمن انسحابًا متزامنًا لجيش الاحتلال، وكذلك تفكيك سلاح العصابات العميلة التابعة له، بما يبقي مخاطر التطهير العرقي قائمة، بما يشمل استهداف قوى المقاومة على وجه التحديد.

تشير الخطة إلى انسحاب جيش الاحتلال بعد إتمام عملية نزع السلاح وموافقة إسرائيل عليها، وليس بصورة متزامنة ومتبادلة.

ردت حماس وبعض الفصائل على الخطة وفق منهجية التزامن والخطوات المتبادلة، الأمر الذي لن توافق عليه دولة الاحتلال بدعم من الإدارة الأمريكية.

يريد نتنياهو تحقيق نزع السلاح لزيادة رصيده الانتخابي، خاصة أن هذا العام هو عام الانتخابات للكنيست الإسرائيلي، كما يريد التحكم الأمني الكامل بقطاع غزة، بما يبقي باب التهجير مفتوحًا في إطار استمرارية سياسة الخنق والتقييد المفروضة على القطاع، من خلال شح المواد الغذائية والطبية، بهدف جعل الحياة غير مريحة وطاردة للسكان، تنفيذًا لسياسة التهجير الناعم.

تكمن الخطورة في أن مخاطر الهجوم على القطاع وإعادة احتلاله ستبقى قائمة في الحالتين، سواء في حال موافقة حماس على نزع سلاحها أم لم توافق.

أمام ما تقدم، فإننا بحاجة إلى مراجعة تقييمية لخطة ترمب التي أعطت المجال لدولة الاحتلال للتحكم بالقطاع، ودفعت باتجاه سلخ القطاع عن الضفة وتقويض الهوية الوطنية الجامعة.

وعليه، فقد بات مطلوبًا العمل على توضيح الغموض الذي يكتنف خطة ترمب عبر توضيح وظائف كل من: (مجلس السلام، قوة الاستقرار، لجنة التكنوقراط، الشرطة الفلسطينية، اللجنة التنفيذية، خطة الإعمار، الترابط مع السلطة الفلسطينية).

كما بات مطلوبًا تحديد إطار تنفيذي لمراحل الخطة يستند إلى التبادلية والتزامن، حيث إن وقف إطلاق النار يتم الالتزام به من الفلسطينيين فقط، في الوقت الذي يقوم فيه جيش الاحتلال بشن الهجمات والاغتيالات المستمرة بحق شعبنا ومقاومته في القطاع.

ولكي يتم قطع الطريق على التطويع الاحتلالي للخطة واستمرار التواطؤ الأمريكي معها، فقد بات مطلوبًا الاتفاق على موقف فلسطيني موحد تجاه التعامل مع خطة ترمب، مع إدراك الجميع لمخاطرها على مستقبل القطاع والقضية الوطنية الفلسطينية.

إن الموقف الموحد، والذي يجب أن يستند إلى خطة تنفيذية واضحة المعالم، يجب تحصينه بموقف الوسطاء (مصر وقطر وتركيا)، وكذلك بموقف المجموعة العربية والإسلامية والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، على أن يتم التوجه إلى مجلس الأمن الذي شرعن خطة ترمب لتقديم لائحة تنفيذية ملحقة للقرار 2803.

دون هذا المدخل، فإن دولة الاحتلال ستستمر بتطويع القرار بما يخدم مصالحها ورؤيتها خارج إطار المفهوم الوطني والدولي.

إن إعادة طرح الخطة على مجلس الأمن وفق آلية واضحة، وعبر لائحة تنفيذية، يعيد وضع الخطة على سكة الأمم المتحدة والقانون الدولي، وذلك بدلًا من إعطاء الصلاحيات الكاملة للرئيس ترمب فقط، دون الرجوع لمنظومة القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.