جحيم ترامب يأتي ولا يأتي
نشر بتاريخ: 2026/04/07 (آخر تحديث: 2026/04/07 الساعة: 17:46)

هل يأتي جحيم ترامب أم يتم قطع الطريق عليه وعلى حرب غطرسة القوة وعمى الأيديولوجيا؟.

اعتقد البعض أن الحرب استنفدت أغراضها وآن لها أن تتوقف، لكنها استمرت دون أن تحقق أهدافها أو تتوصل إلى تسوية.

في الوقت الذي تزداد فيه قائمة الخاسرين إقليمياً وعالمياً وتزداد على نحو خاص معاناة وعذابات الشعوب والدول الفقيرة، يلاحظ أن مصير الحرب وزمن توقفها يعتمدان على ما تحدثه من فوضى اقتصادية بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز بمعدلات عالية وسريعة، وعلى ارتفاع نسبة المعارضين للحرب وبخاصة داخل أميركا، وعلى نضوب ترسانة القنابل والصواريخ في المخازن وارتفاع كلفتها على موازنات الحرب.

ولأن ترامب يرغب في الاستحواذ على النفط الإيراني والتحكم في أسواق الطاقة كجزء من عملية بناء النظام الدولي الجديد، ويرفض المراوحة في حرب استنزاف، فقد أعطى إيران مهلة لمدة 48 ساعة مددها 24 ساعة أخرى لفتح مضيق هرمز، أو توجيه ضربة تستهدف بنية الدولة والمجتمع الإيراني من محطات كهرباء وحقول الغاز ومصافي البترول والجسور والموانئ والاتصالات والنقل فإنه يؤدي إلى التدمير الكلي والجزئي للبنية الإيرانية ويتسبب في شل الاقتصاد الإيراني بمختلف مستوياته سواء السوق المحلي أو الصادرات إلى الخارج، ويشوش وظيفة الدولة ودورها وقدرتها على الرد، بل يحولها إلى دولة فاشلة غير قادرة على إعادة بناء قدراتها.

جاء الرد الإيراني على إنذار ترامب برفض فتح مضيق هرمز، وبتهديد مضاد يتوعد بالرد على الضربات الإسرائيلية الأميركية بالمثل، في الوقت الذي تتقدم فيه باكستان بمشروع وقف الحرب لمدة 45 يوماً وفتح مضيق هرمز أمام السفن، والتفاوض خلال الهدنة على تسوية نهائية.

هل تنجح الوساطة الباكستانية في تفادي انتقال الحرب إلى طور الجحيم والدمار المنهجي ؟ من مصلحة الشعب الإيراني ومن مصلحة شعوب ودول المنطقة والعالم عدم الانتقال إلى الطور التدميري الجديد في الحرب. وذلك يعود لأسباب كثيرة.

أولاً: ينتمي استهداف مؤسسات المجتمع والدولة المدنية إلى حروب التوحش الاستعماري الغابرة وفي زمن الامبراطوريات المندثرة التي تجاوزها جميعاً النظام الدولي بمنظومة مواثيق وقوانين أقرتها الأمم المتحدة وأصبحت ناظماً للعلاقة بين الدول والشعوب في زمني الحرب والسلم، واعتبر أي تجاوز لها انتهاكاً يرقى إلى جريمة حرب ضد الإنسانية.

لهذا السبب كان السواد الأعظم من الدول ضد حرب الإبادة والتطهير العرقي الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، وقد تدخلت محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية ضد المرتكبين.

ولا ينبغي الذهاب إلى حرب تدمير وإبادة مؤسسات وطاقة واقتصاد وقتل المدنيين والأبرياء وترويعهم في إيران ولبنان وفي دول الخليج ودول المنطقة.

ثانياً: بحسب ميزان القوى وتجربة الحرب على إيران، لا يوجد تكافؤ في القوة، ولا ما يبرر استمرار إيران في الحرب، وذلك خلافاً لرغبات وإسقاطات البعض ممن يتعاملون مع تكافؤ في القوى ويبنون عليه نصراً إيرانياً.

تستطيع إيران إلحاق خسائر في إسرائيل وفي القواعد الأميركية. وقد ألحقت فعلاً خسائر في مواقع إسرائيلية وأميركية، وألحقت خسائر أكبر بإغلاقها مضيق هرمز واعتقدت أنها امتلكت قوة كبيرة.

لكنها لم تتوقف عند قدرتها على الاستمرار في إغلاق المضيق، ولم تتوقف عند الخسائر التي تدفعها إيران في كل يوم من أيام الحرب.

للأسف، يمكن القول إن القوة الغاشمة الأميركية الإسرائيلية تستطيع تدمير كل ما ورد في إنذار ترامب.. تستطيع صناعة جحيم حقيقي في إيران، بينما لا تستطيع إيران الرد بالمثل، وسيكون ردها في حدود رمزية ودون أن تحدث فرقاً، أو يضاهي الخراب والتدمير الذي يحل بها.

فقط تستطيع إيران إيذاء دول الخليج العربي بضرب الطاقة والكهرباء وحقول الغاز والنفط والموانئ والمطارات ومعامل تحلية المياه، على سبيل المثال "أدى الهجوم الصاروخي الإيراني على منشأة الغاز – راس لفان – في قطر إلى تعطيل المنشأة وقد يستغرق إصلاحها عدة سنوات مع خسائر سنوية بقيمة 20 مليار دولار.

إيذاء دول الخليج ومناصبتها العداء يتناقضان مع الاتفاقات المبرمة بين الطرفين، وسيكون لهما ثمن كبير بعد نهاية الحرب كما يقول مسؤولون من دول مجلس التعاون الخليجي.

كما أن تصعيد إيران هجماتها على دول الخليج سيدفع الأخيرة إلى دخول الحرب.

ثالثاً: أظهر رد محور المقاومة الضعيف وغير المؤثر على حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة فشل الاستراتيجية الإيرانية المعلنة، فقد هزم إسناد حزب الله لحركة حماس وتوقف عن الحرب منفرداً ومتراجعاً عن شرط وقف حرب الإبادة، واستنكف الحشد الشعبي العراقي عن خوض معركة إسناد، والأهم استنكفت إيران عن مساندة غزة ولبنان واليمن وحليفها التاريخي نظام الأسد في سورية، ضاربة عرض الحائط بمبدأ وحدة الساحات.

ولكن عندما اغتيل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد كبير من القيادة الإيرانية اتخذ الحرس الثوري قراراً بإشراك حزب الله والحشد الشعبي والحوثيين في المعركة مهما كان الثمن.

إن قبول القيادة الإيرانية الانتقال إلى الطور التدميري المعبر عنه في إنذار ترامب الأخير يعني استمرار المغامرة بلبنان شعباً ودولة وتدمير قرى الجنوب اللبناني وتشريد أكثر من ربع اللبنانيين وتفكيك وحدة الشعب اللبناني، الشيء نفسه ينطبق على العراق واليمن.

في المعركة الأولى انكشف العجز الإيراني والبون الشاسع بين الأقوال والأفعال، وفي المعركة الثانية انكشفت وظيفة الساحات في الدفاع عن النظام الإيراني وفي تحسين شروطه التفاوضية من أجل موقع إقليمي حتى لو كان في حالة من الاحتواء.

من يقبل بتدمير إيران وتدمير نصف لبنان وتفكيك العراق ودفع دول الخليج لتعميق سياسة الحماية وشطب القضية الفلسطينية مقابل بقاء نظام ثيوقراطي شمولي؟

رابعاً: منذ الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، تجمد العمل بخطة ترامب في مرحلتها الثانية، وانخفض معدل دخول الغذاء والدواء إلى أقل القليل بينما استمر العدوان الإسرائيلي قتلاً وتدميراً في قطاع غزة واستمرت استباحة الضفة الغربية من منظمة شبيبة التلال الاستيطانية الفاشية، واستمر التنكيل بالأسرى ووضعهم في شروط غير مسبوقة في السوء، ووضعت القضية الفلسطينية برمتها في الأدراج وستبقى كذلك في حالة الدخول في الطور التدميري من الحرب.

ما بعد إنذار ترامب فإن الحديث عن إعادة إعمار القطاع المدمر أصبح أضغاث أحلام.

ولكن قد تدخلنا حركة حماس في الحرب لتأتي دولة الاحتلال على البقية الباقية من المباني والأراضي والحقوق.

من يستمع للناطق باسم القسام سيجد ما لا يسر وذلك عندما "يدعو أبناء شعبنا إلى تنفيذ عمليات نوعية دفاعاً عن الأسرى. ويدعو الشعب في الضفة والقدس والداخل المحتل للزحف نحو المسجد الأقصى" ويؤكد تمسك حماس بسلاحها.

حاولت حماس الحضور وتصدر المشهد ولكن بخطاب شعبوي يصلح فقط كذريعة لبن غفير وسموتريتش وزعيمهما نتنياهو.