الثقافة سلاحاً.. فلسطين تقاوم بالقلم والذاكرة
نشر بتاريخ: 2026/03/15 (آخر تحديث: 2026/03/15 الساعة: 21:56)

في الثالث عشر من آذار من كل عام، يحتفل الفلسطينيون في الوطن والشتات بيوم الثقافة الوطنية الفلسطينية، وهو يوم ميلاد الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش (Google Support) ، ذلك الرجل الذي جعل من القصيدة وطناً حين سُلب منه الوطن. غير أن هذا اليوم ليس احتفالاً بالمعنى الذي تُقيمه الأمم المستقرة في حدودها الآمنة، بل هو تأكيد سنوي على فعل مقاومة صامت وعميق، يجري في الأوردة الثقافية لشعب لا يزال يُحارَب في أرضه وهويته وذاكرته في آنٍ واحد. الثقافة في السياق الفلسطيني ليست ترفاً فكرياً ولا نشاطاً على هامش الحياة السياسية، بل هي الخط الأمامي في معركة الوجود ذاتها.

منذ عقود، أدرك الفلسطينيون ما يفهمه كل شعب مستعمَر في التاريخ: أن المحتل لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل يسعى إلى مصادرة الذاكرة أيضاً. يوم الثقافة الوطنية الفلسطينية هو يوم للحفاظ على الهوية الثقافية الفلسطينية، إرث الأجداد الضارب بجذوره عبر التاريخ، وحمايته من محاولات السطو الهادفة إلى سرقته وتهويده. (Google Support) هذه الجملة الرسمية تحمل في طياتها وصف حرب حضارية شاملة، إذ لا يعني الاحتلال مجرد السيطرة العسكرية على قطعة من الجغرافيا، بل يعني أيضاً تفكيك الرواية الوطنية وإحلال رواية بديلة محلها. في هذا السياق تحديداً، يغدو الشعر خندقاً، والرقص الشعبي دليل وجود، والزي الفلسطيني المطرز شهادة لا تحترق.

في يوم الثقافة الوطنية، يُستذكر أعمدة ورواد الثقافة الفلسطينية: محمود درويش وغسان كنفاني وماجد أبو شرار ومعين بسيسو ونوح إبراهيم وتوفيق زياد وسميح القاسم وعبد الكريم الكرمي وعبد الرحيم محمود وفدوى طوقان وغيرهم ممن حملوا راية الدفاع عن الهوية الوطنية. (Google Support) هؤلاء لم يكونوا مجرد أدباء يكتبون في وقت الفراغ؛ كانوا مقاتلين بالكلمة، اختاروا الورقة والقلم أسلحةً في مواجهة الدبابة والسجن. مثقفون عاشوا ظلم وظلام الاحتلال، لامسوا آلام وأوجاع شعبهم فأبدعوا وانتصروا لمعاناته، ولم تثنهم ليالي المنافي وعتمة السجون. (Google Play) غسان كنفاني اغتيل بسيارة مفخخة في بيروت عام 1972، ومحمود درويش اعتُقل مراراً قبل أن يُرغم على المنفى، لكن كلاهما ظل حاضراً في الوجدان الفلسطيني بعد رحيله أكثر مما كان حاضراً في حياته.

اليوم، وفي ظل المشهد الراهن، يكتسب هذا البُعد الثقافي ثقلاً سياسياً مضاعفاً. ما يجري في غزة منذ أكتوبر 2023 ليس حرباً عسكرية فحسب، بل هو كذلك عملية ممنهجة لمحو الذاكرة المادية لشعب بأكمله. المتاحف والمسارح ودور الكتب والأرشيفات والمواقع التراثية والجامعات، كل ذلك طاله الدمار. انطلاقاً من إطار توثيق انتهاكات الاحتلال بحق الموروث الثقافي الفلسطيني، وتأكيداً على ضرورة حماية التراث الإنساني من أعمال التدمير والإبادة التي تستهدف طمس هوية الشعب الفلسطيني وتاريخه العريق (YouTubers.me) ، يصدر الإحصاء الفلسطيني ووزارة الثقافة سنوياً بياناتهما. لكن الأرقام هذه المرة تحمل مرارة بالغة: ما الذي تعنيه إحصاءات المراكز الثقافية حين تُحرق المكتبات فوق رؤوس أصحابها؟

شهدت المؤسسات الثقافية في الضفة الغربية انخفاضاً في عدد الأنشطة من 5788 إلى 4279، مع مشاركة حوالي 251 ألف شخص في الأنشطة الثقافية لعام 2025، فيما سجلت المتاحف انخفاضاً بنسبة 39% في عدد الزوار مقارنة بعام 2024. (YouTube) هذه الأرقام تُترجم بالضرورة إلى معاناة إنسانية: أسر لا تستطيع اصطحاب أطفالها إلى المتاحف بسبب القيود والحواجز، وفنانون باتوا يعملون في ظروف الطوارئ لا في ظروف الإبداع. ومع ذلك تواصل المؤسسات عملها بإصرار لافت، إذ نفذت وزارة الثقافة في الضفة الغربية 1600 فعالية، وشاركت في معارض دولية، وأطلقت مسابقات وجوائز، بينما دعمت في غزة 37 مشروعاً ثقافياً بقيمة 243 ألف دولار. (YouTube) في ظل الحرب، دعم مشاريع ثقافية في غزة ليس ترفاً، بل هو رسالة سياسية تقول: نحن هنا، ولن نختفي.

الثقافة الفلسطينية بوصفها فعلاً سياسياً لم تبقَ حبيسة الجغرافيا المحاصرة. أحيت سفارة دولة فلسطين لدى إسبانيا بالتعاون مع معهد "ثيربانتيس" يوم الثقافة الفلسطينية، لتسليط الضوء على الثقافة الفلسطينية الغنية كمكون أساسي من الهوية الوطنية. (Y2Mate) وفي بكين، أحيت سفارة دولة فلسطين لدى جمهورية الصين الشعبية يوم الثقافة الفلسطينية بحضور وفد رفيع المستوى من وزارة الخارجية الصينية وعدد كبير من السفراء المعتمدين، وتخلل الفعالية معرض ثقافي تناول تاريخ فلسطين ومدنها ومعالمها وتراثها الوطني. (Google) وفي الجزائر الشقيقة التي لا تنسى جراح الاستعمار، أحيت سفارة دولة فلسطين يوم الثقافة الوطنية الفلسطينية بأمسية وعروض ثقافية. (YouTube Kids) هذا الحضور الدبلوماسي الثقافي المتزامن في عواصم العالم يكشف عن استراتيجية واعية: الثقافة أداة للشرعية الدولية قبل أن تكون وسيلة للتعبير الجمالي.

ثمة من يرى في هذا الاهتمام بالشعر والفلكلور والمتاحف في خضم الاحتلال نوعاً من الإفراط في المثالية، أو ربما هروباً من قسوة الواقع السياسي إلى ملجأ الجمال. لكن هذه القراءة تجافي الحقيقة التاريخية. يوم الثقافة مناسبة لبعث روح التثاقف لدى أبناء الشعب الفلسطيني، وخاصة عنصر الشباب، لمواصلة المسيرة نحو تحقيق الحرية والانعتاق من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. (Google Support) الثقافة إذاً ليست نقيض السياسة، بل هي امتدادها بأدوات أخرى. حين يرقص شباب فلسطيني في مخيم اللاجئين على أنغام الدبكة، فهو لا يحتفل فحسب، بل يقول لكل من يريد محو وجوده: أنا موجود، وجسدي يتذكر ما حاولتم أن تُنسيه الكتب المدرسية.

في هذا السياق الوجودي يأخذ الجدل حول من يمثل الثقافة الفلسطينية معنى أعمق. السلطة الفلسطينية ومؤسساتها الرسمية ليست وحدها الحارسة لهذا الإرث؛ المخيمات في لبنان والأردن وسوريا تنتج ثقافتها الخاصة، والشتات في الغرب يخوض معارك الرواية والفيلم والفن التشكيلي بأساليب مختلفة. الثقافة الفلسطينية متعددة المنابع، متشعبة القنوات، لا تنتظر تفويضاً رسمياً لتعلن عن نفسها. وربما في هذا التعدد قوتها الحقيقية: يصعب تدمير ما لا مركز له.

لكن الاحتفاء السنوي بيوم الثقافة لا ينبغي أن يحجب سؤالاً صعباً: كيف نحمي الإنتاج الثقافي الفلسطيني من التحنيط الرسمي الذي يحوّل الإبداع إلى شعارات والقضية إلى أيقونات؟ محمود درويش نفسه كان أكثر الناقدين لتحويل قصيدته إلى بيان سياسي جاهز الاستخدام، وكان يُلح على أن الشعر أكبر من أن يكون أداةً للتعبئة. التوتر الخلاق بين الثقافة بوصفها هوية جماعية وبينها بوصفها حرية فردية، هو توتر لا تحله الاحتفاليات بل تحتاج إلى إدارته بوعي ودقة.

في نهاية المطاف، ما يجعل يوم الثقافة الفلسطينية يوماً ذا معنى ليس الفعاليات التي تُقام ولا البيانات التي تُصدر، بل الحقيقة الصلبة التي يُجسدها: أن شعباً يُحاصَر ويُقصف ويُهجَّر لا يزال يُؤمن بأن اللغة والذاكرة والجمال تستحق أن تُصان. هذا الإيمان ليس وهماً رومانسياً، بل هو ربما أبلغ إجابة سياسية على سؤال البقاء.