رغم التهديد الذي لا لبس فيه للأمن والسلم الدوليَّين، الذي باتت تمثله سياسة الولايات المتحدة الخارجية، في ظل الإدارة الحالية لدونالد ترامب، إلا أن قراراً لم يصدر عن مجلس الأمن الدولي يدين تلك الاعتداءات، ولا حتى ناقش المجلس مشروع قرار، يحبطه الفيتو الأميركي، وكل ما فعله المجلس أنه عقد اجتماعات بالخصوص، لم تتمخض عن شيء بالطبع، لا بعد الهجوم العسكري الأميركي على مواقع إيران النووية في حزيران العام الماضي، ولا بعد اختطاف قوات دلتا العسكرية الأميركية الخاصة رئيس دولة فنزويلا، ولا خلال شن أميركا الحرب الشاملة على دولة إيران منذ عشرة أيام، والتي بدأتها باغتيال مرشد عام الدولة.
والجريمة مثبتة وكاملة الأركان، فكل تلك الاعتداءات تمت باستخدام القوة العسكرية، ودون مجرد التفكير بالتسلح بقرار دولي، ثم بإعلان صريح وتام، من قبل الرئيس الأميركي نفسه، الذي كان يخرج كل مرة ليتبجح بأنه اختطف الرئيس الفنزويلي، أو أنه نفذ عملية «مطرقة منتصف الليل» في إيران ليدمر مفاعلاتها النووية، تلك المفاعلات التي كانت تعمل أصلاً وفق اتفاق دولي مع إيران منذ العام 2015، وترامب هو الذي تنصل من ذلك الاتفاق في العام 2018، ثم تتابعت إعلانات طاقم إدارة ترامب للإعلان عن الهدف من كل تلك القرصنة العسكرية، وهو السطو على ثروة فنزويلا النفطية، وكذلك على ثروة إيران النفطية، هكذا بكل صراحة ودون أي تلعثم، وأن السبيل إلى ذلك هو إسقاط نظامي البلدين السياسيَّين، واستبدالهما بنظامين مواليَين لأميركا، بل إن ترامب قال: إنه يريد أن يحدد هوية مرشد إيران بنفسه!
ووصلت أميركا في ولاية ترامب الحالية إلى هذا المستوى من تجاوز القانون الدولي، ومن إهمال للأمم المتحدة التي شكلت عنواناً وإطاراً للنظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وفي ظل الحرب الباردة بين القطبين العالميَّين، اللذين مع ما كانا عليه من تناقض ومن صراع دولي، إلا أنهما وجدا في مجلس الأمن مكاناً لإدارة ذلك الصراع بما جنّب فعلاً طوال خمسة عقود كاملة العالم من حرب عالمية ثالثة، كانت ستكون أعنف وأكثر دماراً وخراباً بأضعاف مما كانت عليه الحرب الثانية؛ نظراً لما امتلكته الدول المتصارعة من قنابل نووية خلال تلك الحقبة لم تكن تمتلكها خلال الحرب العالمية الثانية، التي شهدت فقط «بروفة» هيروشيما وناغازاكي، باستخدام قنبلتين صغيرتين، بينما اليوم العالم لديه أكثر من أحد عشر ألف قنبلة، ما يطرح السؤال: لماذا وصلت الأمور بأميركا إلى هذا الحد؟
وأخذاً بعين الاعتبار طبيعة شخصية ترامب، إلا أنه يبقى رئيس أميركا، وهو لم يفرض عليها بانقلاب عسكري، أي أنه يمثل الدولة، تماماً كما هو حال بنيامين نتنياهو، والمقارنة بين الرجلين والدولتين حالياً تقترب بنا من الإجابة عن تساؤلنا، ومفاده لماذا وصلا إلى هذا الحد وهذا المستوى من الخروج عن القانون الدولي، ومن استخدام البلطجة العسكرية لفرض أهدافهما التي باتا يعلنانها بصراحة ودون مواربة، وليس كما كان الحال سابقاً، وإسرائيل مع نتنياهو لا تختلف أبداً عن أميركا مع ترامب، بل هي التي شكلت نموذجاً، اتبعته أميركا، ونتنياهو بدأ سفوره التام بشن حربه الإقليمية قبل عامين ونصف العام، وبعد أن كانت إسرائيل لعقود طويلة، أي خلال الفترة التي رافقت نشأتها مع الحرب الباردة، بعقودها الخمسة، أو خلال النظام العالمي الأميركي التي تلا تلك الفترة بعقوده الثلاثة، تقول: إنها تسعى إلى حسن الجوار، وإلى الأمن مقابل السلام، وكانت تعرض «الأرض مقابل السلام»، لكنها اليوم لا تطالب فقط بضم أرض دولة فلسطين، في تجاوز فاضح للقانون الدولي، الذي في جعبته عدد هائل من القرارات، أولها قرار التقسيم، وليس آخرها القرار 2803 الخاص بإدارة غزة دولياً.
صارت إسرائيل مع نتنياهو تعلن صراحة بأنها لن تسمح بقيام دولة فلسطينية، وأنها تسعى لتهجير السكان، وأنها تواصل احتلال أراض من لبنان وسورية، وبات واضحاً أنها في سعيها لشرق أوسط جديد تقيمه بالقوة العسكرية، تسعى لقيام إسرائيل الكبرى، تضم أراضي لبنان وسورية والأردن والعراق، وأراضي من مصر (سيناء) ومن السعودية، أما في جعبة ترامب فالكثير من التهديدات وإعلان الرغبة في امتلاك الثروة حيث توجد في غرينلاند أو بنما، المكسيك وكندا، على حد سواء.
أميركا ظلت منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، أي منذ انهيار جدار برلين، وإعلان انتهاء الحرب الباردة، تكتفي بسقوط أنظمة دول المعسكر الشرقي، وتحوّلها من نظام الحكم الشيوعي إلى نظام الحكم الرأسمالي، الذي كان يقدمه معسكر الغرب على أنه النظام الأمثل، مع أن المنطق الديمقراطي الذي يدعيه الغرب الرأسمالي، يعني أن تختار الشعوب بنفسها ما يناسبها من نظام سياسي/اقتصادي، وكان يعني تحوّل دول العالم في النصف الشرقي منه عموماً، أي الذي كان يدين بالنظام الشيوعي، انتقال العالم من الانشطار القطبي إلى ما سمّي العولمة، أي إلى خضوع العالم بأسره لنظام سياسي أحادي القطب، إطاره الأمم المتحدة، التي بقيت كما هي دون تغيير منذ أن نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وإلى أنظمة اقتصادية محلية تعمل وفق منطق السوق والمنافسة في ظل قوانين التجارة العالمية التي تحكم نظام التبادل التجاري بين الدول.
وكان شعار العولمة ينطوي في مضمونه على الأمركة، أي تحويل دول العالم إلى نماذج مصغرة من أميركا الدولة العظمى عسكرياً واقتصادياً الوحيدة في العالم، لكن أميركا اليوم في عهد ترامب تتحول من شعار العولمة إلى شعار السيطرة، بعد رفعها داخلياً شعار «أميركا أولاً»، ويبدو فقط أن شعارها هذا يترافق ويتوافق مع شعار «إسرائيل الكبرى»، فما الذي دفع الدولتين من الاكتفاء بما كانت عليه من نفوذ لا غبار عليه فيما يخص أميركا التي كانت سيدة العالم بلا منازع، بينما إسرائيل كانت الدولة المتفوقة عسكرياً على كل دول الشرق الأوسط، والدولة التي خطت خطوات حاسمة نحو التعايش مع الإقليم بعد اتفاقيتَي كامب ديفيد مع مصر وأوسلو مع فلسطين ومن ثم وادي عربة مع الأردن؟
الآن تحولت أميركا من العولمة إلى الهيمنة، وإسرائيل من السعي للتعايش كدولة على ثلاثة أرباع أرض فلسطين التاريخية إلى دولة كبرى تسيطر على كل الشرق الأوسط، وذلك يعود إلى أسباب تتعلق بتغير الحال في العالم، فأميركا لم تظهر أي احتجاج سابق على النمو الاقتصادي لألمانيا واليابان، ومن ثم كوريا الجنوبية وتايوان، وبعد ذلك ما سمي «نمور آسيا»، لكنها فقط بدأت تقلب «ظهر المجن» العالمي، أي باستخدام الهراوة العسكرية بعد أن صار الاقتصاد الصيني اكبر حجماً من اقتصادات كل الدول السابقة: ألمانيا، اليابان، كوريا الجنوبية وتايوان، أي أن منطق السوق الرأسمالي وفق أميركا يسمح له بالتنافس الحر، شرط ألا تكون نداً له، وشرط أن تظل خاضعاً، فإن لم يتحقق ذلك وفق قوانين السوق، يكون ذلك وفق «البلطجة».
من الواضح أن زمن هذه البلطجة قد بدأ، وأميركا تعادي العالم كله، لكنها تبدأ بالحلقات الضعيفة، وإسرائيل تلقي بكل ما لديها لاستخدام أميركا في حربها الشرق أوسطية لأنها ليست متأكدة من أن أميركا ستبقى هكذا، أي أنها تسعى للسيطرة على الشرق الأوسط استعداداً لمرحلة ما بعد أميركا، مرحلة تعتمد فيها على قوتها الذاتية، دون الحاجة لحماية الغرب، الذي انسحب من تلك العلاقة عملياً باستثناء أميركا، وليس هناك من صورة واضحة لما ستكون عليه تفاصيل هذا الشكل من أشكال فرض السيطرة العالمية، أيْ إنْ كان سيقابل بأشكال مماثلة من قبل دول أخرى، فتتعمّم حالة «قانون الغاب» في كل مكان، أم أن الحالة ستنحصر في مركز الصراع الكوني، بين أميركا وإسرائيل من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى؟
المشكلة أن نتنياهو وترامب يبدوان في عجلة من أمرهما، بإدخالهما القوة العسكرية إلى ميدان التنافس الاقتصادي، بالسطو على الأرض والطاقة، وما بينهما من إسقاط أنظمة وقتل وتهجير وارتكاب جرائم حرب، واعتداء على سيادة دول، وإذا كان نتنياهو لم يعد يهتم حتى بعقد اتفاقيات السلام أو التطبيع، بل صار منبوذاً في العالم، فإن أميركا تخوض الحرب وحدها، بينما الطرف الآخر يبدو أكثر هدوءاً، يدير الحرب بما يستنزف أميركا سياسياً وعسكرياً، فصمود إيران يؤدي لهذه النتيجة.