هل الهدف إيران ام المنطقة؟
نشر بتاريخ: 2026/03/06 (آخر تحديث: 2026/03/07 الساعة: 05:44)

عندما تندلع الحروب في الشرق الأوسط، يُطرح السؤال عادة بصيغة مباشرة: من يقاتل من؟

لكن السؤال الأعمق غالبًا يكون مختلفًا: لماذا يحدث الصراع في هذا التوقيت تحديدًا، وما شكل النظام الإقليمي الذي قد ينتج عنه؟

الحرب الحالية تُقدَّم في الخطاب السياسي والإعلامي باعتبارها مواجهة مع إيران وسلوكها الإقليمي. لكن قراءة أوسع للمشهد الجيوسياسي قد تقود إلى تفسير مختلف: أن الصراع لا يتعلق بإيران وحدها، بل باحتمال ظهور قوة إقليمية قادرة على تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط.

فالتاريخ الحديث للمنطقة يكشف نمطًا متكررًا. كلما اقتربت دولة إقليمية كبيرة من امتلاك نفوذ واسع وقدرة على التأثير في عدة ساحات في آن واحد، تتحول سريعًا إلى محور صراع إقليمي ودولي.

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي كانت مصر في عهد عبد الناصر تمثل مركز الثقل الإقليمي، ومع صعودها دخلت المنطقة مرحلة من الاستقطاب الحاد والصراعات السياسية والعسكرية.

وفي ثمانينيات القرن الماضي حاول العراق في عهد صدام حسين أن يتحول إلى قوة مهيمنة في الخليج، لكن تلك المحاولة انتهت بسلسلة من الحروب التي أنهكت الدولة العراقية لسنوات طويلة.

وفي العقود الأخيرة ظهرت إيران كلاعب إقليمي واسع النفوذ، ليس فقط عبر قوتها العسكرية التقليدية، بل أيضًا عبر شبكة معقدة من العلاقات والتحالفات غير المباشرة في عدة دول عربية. هذه الشبكة منحتها قدرة كبيرة على التأثير في التوازنات الإقليمية.

لكن في النظام الدولي المعاصر نادرًا ما يُسمح لقوة إقليمية واحدة بالتحول إلى مركز هيمنة كامل في منطقة ذات أهمية استراتيجية مثل الشرق الأوسط. فوجود مثل هذه القوة يهدد توازنات أوسع تتجاوز حدود المنطقة نفسها.

من هذه الزاوية يمكن النظر إلى الصراع الحالي كجزء من عملية أوسع لإعادة ضبط ميزان القوة في الشرق الأوسط، بحيث يبقى موزعًا بين عدة أطراف بدل أن يتركز في يد دولة واحدة.

وإذا تراجع الدور الإيراني نتيجة هذه الصراعات، فمن المرجح أن تسعى المنطقة إلى ملء الفراغ بتوازن جديد بين عدة قوى إقليمية، بدل ظهور مركز هيمنة واحد. في هذا السياق قد يبرز مثلث استراتيجي يتكون من تركيا وإسرائيل ومصر.

تركيا تمثل نموذج القوة الإقليمية الطامحة إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري في عدة مناطق.

إسرائيل تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا وعسكريًا واضحًا يجعلها لاعبًا ثابتًا في معادلات الأمن الإقليمي.

أما مصر فتمثل مركز الثقل الديموغرافي والعسكري في العالم العربي، إضافة إلى موقعها الجغرافي الاستثنائي.

وجود هذه القوى الثلاث في نظام إقليمي واحد قد يخلق شكلًا من توازن القوى المتعدد الأقطاب، حيث تمنع كل قوة الأخرى من الانفراد بالهيمنة.

لكن يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: من المستفيد من بقاء الشرق الأوسط بلا قوة إقليمية مهيمنة؟

ففي كثير من الأحيان يفضل النظام الدولي مناطق النفوذ الموزعة بين عدة أطراف على مناطق تتركز فيها القوة في يد دولة واحدة. وفي منطقة بحجم الشرق الأوسط، بما تحمله من موقع استراتيجي وموارد طاقة وتأثير سياسي عالمي، يصبح منع ظهور مركز قوة واحد جزءًا من منطق إدارة التوازنات الدولية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم قد لا يكون ما إذا كانت إيران ستخرج من هذه الحرب ضعيفة أم قوية، بل ما إذا كانت المنطقة بأكملها تدخل مرحلة جديدة يكون عنوانها الأساسي: إدارة التوازن بين عدة قوى إقليمية كبرى بدل الصراع مع قوة واحدة.

فالحروب في الشرق الأوسط لا تُخاض فقط من أجل ما يُعلن عنها، بل من أجل ما يُعاد تشكيله بعدها.