الاستراتيجية الإيرانية ونيران الحرب… هل يتحول الشرق الأوسط إلى إقليم الثور الأبيض؟
نشر بتاريخ: 2026/02/28 (آخر تحديث: 2026/02/28 الساعة: 20:33)

في إقليمٍ تتراكم فيه البوارج كما تتراكم الغيوم السوداء قبل العاصفة، يعود السؤال ملحًّا: هل نحن أمام ردعٍ متبادل مضبوط الإيقاع، أم أمام سباقٍ مفتوح نحو الهاوية؟ المشهد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد مجرد سجال سياسي، بل اختبار إرادات قد يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

الاستراتيجية الإيرانية تقوم على مزيجٍ من “الصبر الاستراتيجي” و”الرد غير المباشر”، بثلاثة مرتكزات واضحة: تثبيت النفوذ عبر شبكة تحالفات وأدوات ردع تجعل أي استهداف مباشر مكلفًا؛ إدارة التصعيد بحسابٍ دقيق يمنع الانجرار إلى حرب شاملة؛ وتحسين شروط التفاوض من موقع قوة لا من زاوية انكسار. طهران تدرك اختلال موازين القوى التقليدية، لكنها تراهن على عامل الزمن واستنزاف الخصم سياسيًا واقتصاديًا.

في المقابل، ترفع واشنطن وتل أبيب معادلة الردع الصارم: منع التحول النووي العسكري وكبح التمدد الإقليمي. غير أن السؤال الجوهري: هل الهدف احتواء إيران فقط، أم إعادة هندسة الإقليم وفق ترتيبات أمنية جديدة تضمن تفوقًا طويل الأمد؟

التصعيد المتبادل، وإن ظل في إطار الضربات المحدودة والرسائل النارية، يفتح الباب أمام احتمالات أكثر خطورة. هل تتوسع العملية العسكرية؟ هل تتحول الضربات الموضعية إلى مواجهة إقليمية؟ وهل يمكن أن تنزلق القوى النووية إلى خط تماس مباشر؟ دخول السلاح النووي ساحة الاشتباك احتمال كارثي يدرك الجميع كلفته، ما يجعل الردع المتبادل حتى اللحظة سقفًا لا يرغب أحد في كسره.

أما روسيا والصين، فحضورهما سياسي واستراتيجي أكثر منه عسكريًا مباشرًا. دعمٌ دبلوماسي واقتصادي يمنح طهران هامش مناورة، لكنه لا يعني استعدادًا لحرب عالمية ثالثة.

وإذا ما تم التوصل إلى اتفاق جديد، فهل تنسحب حاملات الطائرات والغواصات النووية من مياه الخليج؟ أم تبقى القواعد العسكرية في مواقعها، تحرس مصالح استراتيجية عابرة للحدود؟ التجارب تقول إن الجيوش الكبرى لا تنسحب إلا وفق حسابات تتجاوز العناوين العريضة.

في قلب هذه المعادلة، يقف الإنسان قلقًا على مستقبله، خائفًا من صاروخٍ قد يُطلق خطأً أو قرارٍ يُتخذ تحت ضغط الغرور السياسي. خطابٌ متشدد يقوده كلٌّ من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب يزيد المشهد توترًا، في إقليمٍ هشّ يشبه “إقليم الثور الأبيض” الذي يُؤكل فيه الأضعف يوم يُترك وحيدًا.

الخلاص من نيران الحرب لا يكون بتكديس السلاح، بل بإعادة تعريف الأمن: أمن الشعوب قبل أمن الأنظمة، وأمن التنمية قبل أمن القواعد. على الشعوب أن تسأل، وعلى القيادات أن تجيب بوضوح؛ فالصوت المكتوم لا يحمي وطنًا، والصمت لا يمنع أن تمتد النار إذا اشتعلت.