الحرب على إيران تعجّل انهيار النظام العالمي
نشر بتاريخ: 2026/02/27 (آخر تحديث: 2026/02/27 الساعة: 20:09)

أحد المظاهر اللافتة لمن يتابع احتمالات الحرب الأميركية على إيران من عدمها، هو تأييد أغلبية إسرائيلية، على المستويين السياسي، حكومة ومعارضة، والشعبي ليس فقط لحرب أميركية على إيران، تحقق أهداف إسرائيل بالنيابة عن الدولة العبرية وحسب، بل تؤيد شن حرب إسرائيلية على إيران، إن كان بالشراكة مع أميركا، أو منفردة، وذلك رغم التقديرات على الجانبين، الأميركي والإسرائيلي، الاستخباراتية والعسكرية، بأنه سيكون هناك رد إيراني قوي، وكذلك بأن الحرب ستطول بما هو أكثر من مجرد أسابيع أو حتى أشهر، وأن الحرب قد تشمل معظم إن لم يكن كل الشرق الأوسط، بحيث تكون إسرائيل على نحو خاص، في لجة النار، وربما في مواجهة كل دول الشرق الأوسط، التي باتت تباعاً، مع تطور الأحداث وتتابع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بمن فيهم رئيس الحكومة، متأكدة من أن الأهداف الإسرائيلية تشمل توسيع الحدود الإسرائيلية بما قد يصل إلى الفرات من الشرق والنيل من الغرب، أي إسرائيل الكبرى التوراتية، وكذلك السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية على كل الشرق الأوسط، والتحكم فيه كقوة إقليمية كبرى وحيدة.

وآخر تلك التأكيدات ما أعلنه بنيامين نتنياهو من أن هناك «محوراً» شرق أوسطي يقوم بتشكيله، يشمل إضافة لإسرائيل الهند وقبرص واليونان، ويهدف إلى تحطيم المحاور الإقليمية، الشيعي المنهار كما وصفه، والمحور السني، والذي يبدو بشكل جلي أنه يقصد به تركيا ومصر والسعودية، أي باختصار كل العرب والمسلمين، بما في ذلك تركيا وباكستان، وهذا يتأكد من خلال وجود الهند في «محور نتنياهو» وهي الجار الخصم لباكستان، ووجود اليونان وقبرص الدولتين اللتين على خصام مستمر منذ سنين طويلة مع تركيا.

والحقيقة أنه لا يمكن لمتابع أو مراقب أو حتى محلل سياسي موضوعي أن يأخذ ما يقوله نتنياهو على أنه حقيقة، بل على أنه مجرد أحلام، أو حتى كلام انتخابي، له مهمة الحفاظ على ائتلافه الحاكم، رغم ذلك فإنه لا بد من التأكيد على أن نتنياهو الذي جلس على مقعد رئيس الحكومة الإسرائيلية كأطول فترة أمضاها رئيس حكومة إسرائيلي، بما يشمل مؤسس «الدولة» ديفيد بن غوريون، وقائد اليمين التاريخي مناحيم بيغين، قد قاد إسرائيل نحو ثلاثة عقود، وبالتحديد منذ عام 1996، حين انتخب لأول مرة رئيساً للحكومة، وكان ذلك عبر الانتخاب المباشر، على طريق رفض الدولة الفلسطينية، وحقق أول مهمة له، وهي إغلاق طريق أوسلو، وصولاً إلى إفراغ الاتفاق من محتواه طوال تلك السنين، فيما يسعى إلى أن يختتم مسيرته بتحقيق حلمه التوراتي الكبير.

وهو أعلن من قبل وبشكل واضح ليس فيه أي لبس بأنه يشعر بأنه مكلف بمهمة تاريخية دينية، وهي تحقيق شعار زئيف جابوتنسكي، الذي يعتبر عراب اليمين الإسرائيلي، بما يحقق الانتصار التاريخي لليمين اللاهوتي على اليسار المؤسس حتى برموزه وعرابيه، ثيودور هيرتزل وديفيد بن غوريون، لذلك تكثر أحاديث نتنياهو ووزراء اليمين التي تتضمن المقولات التوراتية، لدرجة أن يشمل هذا الأمر السفير الأميركي في تل أبيب مايك هاكابي، وهو من طينة بتسلئيل سموتريتش الوزير المستوطن، الذي بدوره كثيراَ ما عبر عن أنه يقوم بمهمته في الحكومة بالوصول إلى حدود إسرائيل الكبرى، وكان قد أظهر بشكل علني وواضح خرائط لإسرائيل تشمل شرق نهر الأردن.

من يعُد في الزمن إلى الوراء قليلاً، يرَ كيف أن إسرائيل قد خطت خطوة وحيدة، نحو السلام العادل، بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، وكان ذلك في ظل ظروف تحول دولي، انتقل خلالها النظام العالمي من النظام ثنائي القطبية، وذلك مع انهيار جدار برلين أواخر العام 1989، وخطت إسرائيل تلك الخطوة، بعد ثلاثة عقود من استمرار اليسار في حكمها، وبعد نحو عقدين من حكم اليمين، وفي ظل حكومة أغلبية ضيقة، بفارق عضو كنيست واحد وكان ذلك عام 1992، بعد إجراء انتخابات الكنيست الثالث عشر، وهذه الحكومة هي التي عقدت اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية الذي توصلت إليه معها في العام التالي 1993، أي في ذروة انشغال أميركا بالحرب على العراق، ومن ثم في معالجة شرق أوروبا بعد انهيار النظام الشيوعي واختفاء حلف وارسو، وتفكك الاتحاد السوفياتي نفسه ومعه الاتحاد اليوغوسلافي.

ورغم أن الظرف الدولي كان مؤاتياً لإسرائيل لتسعى من أجل تحقيق مشروعها اليميني الصهيوني الديني، إلا أن أكثر من سبب حال دون ذلك.

أول هذه الأسباب هو أن اليسار كان ما زال قوياً، بل وصل لسدة الحكم، بسبب ما أحدثته الانتفاضة من قوة دفع داخل المجتمع الاسرائيلي نحو السلام العادل، الذي يستند في أقل حدوده إلى حل الدولتين، والسبب الثاني، كان اتهام أميركا بالكيل بمكيالين، حين قامت بتحرير الكويت بالقوة العسكرية، ولم تفعل الأمر ذاته ولا أقل منه بكثير فيما يخص الاحتلال الاسرائيلي لدولة فلسطين، لذلك عقد مؤتمر مدريد بعد ضغط كبير على حكومة إسحق شامير اليمينية، وكان هذا الضغط أحد أسباب فوز اليسار في الانتخابات التي تلت مدريد، بينما فضل اليسار بعدها أن يذهب لأوسلو بدلاً من مفاوضات مدريد - واشنطن، كما أن أحد الأسباب في عدم انفتاح الطريق أمام مشروع إسرائيل الكبرى، الذي يبدأ على أي حال بإغلاق الباب أمام الدولة الفلسطينية، التي تطوي صفحته تماماً، وتعيد إسرائيل لدولة قرار التقسيم الأممي، الناجم عن النظام العالمي ثنائي القطبية، كان أن أميركا احتارت فيما تتخذه من قرار إزاء الشرق الأوسط، أن تفتح الباب أمام التغيير الذي حدث في مطلع العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين أم تتريث، ثم كان أن وجدت نفسها في مواجهة ما سمته الإرهاب بعد تفجيرات نيويورك.

لم تكن إسرائيل جاهزة مطلع تسعينيات القرن الماضي داخلياً، لتسعى إلى تحقيق هدف إسرائيل الكبرى، وكان ذلك بسبب عدم تكرس اليمين في الحكم وفي المجتمع بعد، أما اليوم فقد تغير الحال، وبات اليمين المتطرف المستند لقاعدة المستوطنين الانتخابية، هو الذي ينافس اليمين الصهيوني، بل ويتضح الأمر أكثر حين يتنافس مستوطنان على قيادة إسرائيل، نقصد نفتالي بينيت وبتسلئيل سموتريتش، فيما أميركا جاهزة في ظل ولاية دونالد ترامب، للقيام بمهمة تنفيذ أهداف الحرب الإسرائيلية على إيران، وقد سبق في العام الماضي لترامب أن وجه ضربة عسكرية أميركية لإيران، ولم يمنح نتننياهو فقط الضوء الأخضر لشن حرب الإثني عشر يوماً، وهناك ثلاث سنوات فقط أمام الصهيونية الدينية لتحقيق هذا الهدف، لأن أميركا نفسها ستفقد زعامة العالم، بل إن نظامها العالمي سينهار، وأقر ماركو روبيو بهذا حين عرض على الأوروبيين تجديد النظام العالمي، لذلك يلقي نتنياهو بكل قوته للضغط على ترامب لشن الحرب، دون النظر لأي حسابات بعيدة النظر.

ويبدو أن أحد الأسباب لذلك هو أن إسرائيل ستضطر إلى الاعتماد على نفسها، وإلى «الفطام» عن الحماية الأميركية - الغربية، بل حتى التحضير لانقطاع المساعدات من كل نوع، السياسية والعسكرية والمالية، لكل هذا فإن إسرائيل تريد أن تتجاوز نقطة ضعفها القاتلة المتمثلة في «صغر» مساحتها الجغرافية بالمقارنة مع دول الإقليم الذي تسعى للسيطرة عليه، وكذلك التفوق المالي الاقتصادي، لأن عالم اليوم بات عالماً يستند للقوة الاقتصادية إن لم تكن الوحيدة أو الحاسمة، فالى جانب القوة العسكرية أيضاً، وهذا يفسر لماذا حرصت إسرائيل طوال العقود الماضية على التفوق العسكري، والذي ما زال قائماً على كل دول الشرق الأوسط، وما زالت تمنع أميركا من تزويد حليفاتها الأخريات من إجراء صفقات سلاح مهمة، وتريد إسرائيل الحصول على الثروة الاقتصادية أيضاً، وهي كما هو حال أميركا على الصعيد الكوني، تقوم باستخدام القوة العسكرية من أجل تحقيق هذا الهدف المزدوج.

ولأن أميركا ليست وحدها اللاعب العالمي، فإن انخراطها في حرب شرق أوسطية سيعجل من انهيار نظامها العالمي، وفي ذلك مصلحة للصين وروسيا شرط أن تكون الحرب طويلة الأجل، لذلك ستسعى الدولتان لتزويد إيران بما يؤهلها للصمود في حرب طويلة، وقد سبق أن تسببت حروب أميركا في العراق وأفغانستان، في انشغال أميركا عن الصين وروسيا، وفي حرب طويلة ستنشغل أميركا عن حروبها التجارية مع العالم، وعن غرينلاند وكندا والمكسيك، لذلك فإن ترامب متردد لأنه يفضل اتخاذ قرار الحرب بشرط أن تكون خاطفة، لكن نتنياهو لا يتوقف عن دفع ترامب للحرب، كما لم يتوقف بعد حرب حزيران الماضي، إلى أن يستنفذ ولاية ترامب لصالحه، بما يعني أن حرباً أميركية مع إيران تدوم سنوات، ستعني بشكل مؤكد سقوط أميركا عن عرش زعامة العالم.