لم يعد هناك فرح في مدينة احترفت صناعته، ولا طقوس رسم الزمن ملامحها على وجه غزة فاستقرت بين الحواري والساحات.
كانت تولد كل عام وكانت ترافق ذكريات تعيد إنتاج ما يندلق في شوارعها من مرح طفولي لم يكن عابراً. فغزة التي نشأت على البحر كمدينة ساحلية لم تتخل عن الحياة رغم كل ما حل بها قبل أن تنطفئ في سنواتها الأخيرة.
بات رمضان يأتي منذ سنوات يتيماً حزيناً، يقف شاحباً على أبواب الخيام، يبكي مثل كل الذين بقوا يهيمون على وقع ذكريات أصبحت مجرد أطلال في ذاكرة أصيبت بالعطب لكثرة ما أصابها من وجع، وروح فقدت روحها وهي تستقبل شهرها وقد غاب الأبناء والأحبة والدار والمال حين يستقبل في الخيام خالياً من حدوده الدنيا.
كيف سيمضي الغزيون شهرهم وقد توقفت كل مصادر رزقهم ودمرت كلها ؟ غزة التي اعتادت أن تعود من تحت الركام تبدو هذه المرة كسيرة أسمع أنينها من بعيد من رسائل تقطع القلب من عائلات قبل أن يحل الخراب الكبير.
منذ حكم حماس لغزة بعد طردها للسلطة بدأ تدهور المعيشة بالنسبة لسكان منطقة كان الله قد أهداها تلك السلطة ليعتاش أبناؤها في ظل افتقارها لأي من مقومات الحياة. اعتدت أن أكتب مع كل بدايات رمضان عن الفقر المصاحب للفرح وانقطاع الكهرباء، وعائلات تتسحر على العتمة وأخرى تتسحر على الخبز والشاي، عن البؤس الذي كان يرافق كثيرا عائلات كانت تهرب من عيون أطفالها الذين لا يطوفون بفوانيس البراءة، لكن في المواسم الثلاثة الأخيرة ذهب الطقس حد الفاجعة.
لا بيوت يقام فيها سحر الشهر الفضيل، ولا موائد ترسمها نساء غزة وتزينها بدفء الأسرة كاملة دون أن ينقص منها أحد، لا شوارع يسير عليها الصائمون وهم يتأملون جمال الأشياء عصراً بهدوء من ينتظر المكافأة قبل أن يعود إلى البيت حاملاً ما تيسر، قبل أن تحول الشوارع إلى مقابر يسير عليها الوجع خفيفاً كما قال المعري: «خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد» هكذا تسير الحياة حاملة معها ما يمزق القلب ليزداد وجعاً في رمضان حيث تنفتح الذاكرة على حلم كان يوماً قبل أن تصحو غزة على كابوسها الممتد ..كيف قررت حماس أن تطرد السلطة وتفعل هذا بأهل غزة ثم تنتهي بهم هذه النهاية ؟ أي حكم سيصدره التاريخ على هذا المستوى من المسؤولية عن الشعوب، والأغرب الإصرار العنيد على الاستمرار بالمسؤولية عليهم كأن ما حدث لا يكفي بعد.
في رمضان غزة هناك سوق فراس صباحاً حيث الخضار الموسمية فهي عصامية تطعم نفسها ولا تستورد، أما سوق الزاوية فهو حكاية الآباء والأبناء والأجداد حكاية السحر الممتد والحضارات المتراكمة حيث تتقاطع الثقافات وتتجسد جميعها تبدأ مع ذكريات الحكم المصري. في أوله من جهة شارع فهمي بك الحسيني ابن العائلة التي استدعيت من القدس لحكم غزة وتضفي عليها نكهة دينية حسينية، لتنهي في آخره في العصر المملوكي والعثماني حيث القيسارية والأسقف التي تشبه الصحون المقلوبة. كان السوق يروي تاريخ غزة ويختصر تراثها بين الحاضر والماضي في دكاكين كانت تحمل بصمة زمان غابر قبل أن يجري عليها أصحابها بعض التعديلات التي لم تخف عمرها الطويل، وهي تحدثنا عمن كان هنا وعن البسطات التي تملأ المكان تحتفي بالزائرين في رمضان والبسطات وأنواع الخضار وأصوات الباعة والمتسوقين
في شارع عمر المختار في ساعة عصرية متأخرة، عندما تكتشف كل غزة التي كانت تنتشر في الشوارع أنها تأخرت عن الوقت لأن المدينة سحرتها فتتحرك كلها كمن لدغتها أفعى في دقائقها الأخيرة وأزمة المرور وصراخ أصحاب المركبات والطوابير الطويلة قبل أن تسكت دفعة واحدة على صوت المؤذن قبل أن يعود الصخب من جديد بعد الإفطار.
كان هذا دفتر يومياتها قبل أن تصاب بالسكتة الكبرى في المواسم الثلاثة الأخيرة بين خيام تستر ما تبقى من كرمة أهدرتها الحرب وأهدرتها الجباية وأهدرها غلاء الأسعار وجنون التجار وبسطات الصرافة المدعومة من النظام الحاكم التي تقاسم المواطن من تحويلة جاءته متسولاً من خارج البلاد، أو أهدرتها كرامته الوطنية وهو يرى أن الجزء الأكبر من غزة تحت سيطرة إسرائيل وعصابات من العملاء تنتشر كالذباب على الجسد المريض.
الذكريات لا تخبو بل تصاب بالحمى، تشتعل وتنفعل أكثر مع رمضان وتفاصيله التي كانت تملأ سماء غزة تاركة للقلب أن يئن تحت وطأة العقل والذاكرة ولكن أكثر حين يسافر الخيال المتعب في لحظة سوداء الآن إلى هناك، حيث ما تبقى من الأهل وما تبقى من الأصدقاء وما تبقى من عالم يحاول أن يحيا بما يملك من إرادة البقاء بعد أن تلاعب به عبث السياسة وهواتها، ولتلقي به فريسة بين أنياب دولة فاشية دوما» ما كانت تتربص بالفلسطيني، وفقط تنتظر صافرة الإنذار ليكون نصيب غزة ما يكمل سيرة الحزن الطويل الذي رافق تاريخها.
فطوبى لغزة التي ورثت كل هذه التراجيديا الممتدة والمستمرة بلا توقف كل عام وهي هناك بلا وجع.