انتهت الجولة التفاوضية بين إيران وأميركا، والتي وصفت بالحاسمة دون أن تحسم شيئاً على الإطلاق، لكنها مع ذلك هي جولة حاسمة على كل حال.
لماذا حاسمة؟
هي حاسمة لأن أميركا تراجعت عن «رزمة» كل شيء، والمقصود هنا شرطها للصفقة التي تشتمل على الملفّ الصاروخي، وعلى علاقة إيران بـ»محور المقاومة»، وعلى حق الاحتجاج ضد النظام الإيراني.
وبمجرّد قبول أميركا بالذهاب إلى التفاوض على الملف النووي حصراً، واستبعاد القائمة الأميركية تكون إيران قد ربحت النقطة الأولى من انعقاد هذه الجولة.
وعُقدت هذه الجلسة في ظلّ خطر كان داهماً بالذهاب إلى الحرب في حال رفضت أميركا الشرط الإيراني بحصرية التفاوض على الملف النووي ليس هذا فقط، وإنّما عقدت الجلسة على وقع التهديدات المتبادلة بين الطرفين، ووصلت الأمور إلى الحديث الإيراني المباشر عن قدرتها، وعن عزمها لتحويل الحرب إلى حرب إقليمية شاملة، وإلى الاستعداد لضرب القواعد الأميركية في كل المنطقة، وإلى التوجّه نحو إغراق الحاملات الأميركية وتدمير كل ما تستطيع إيران تدميره منها، ثم ذهبت إلى أبعد من ذلك عندما أغلقت مضيق هرمز لعدّة ساعات أثناء المناورات التي تعمّدت القيام بها قُبيل وأثناء عقد جولة المفاوضات.
ما تسرّب حتى الآن أنّ هذا التراجع الأميركي على أرض الواقع لم يكن تراجعاً كلّياً، لكنه يوحي بأن أميركا ما زالت متردّدة بالذهاب إلى الحرب خشيةً وقلقاً، بل وحتى خوفاً من أن تكون هذه الحرب أكبر من قدرة الأخيرة على تحمّل خسائرها، وعلى قدرتها على تحمّل مآلاتها فيما إذا ردّت إيران بقوة، وفيما إذا فرضت تحوّلها إلى حرب طويلة نسبياً، وإلى حالة استنزاف تُبقيها مفتوحة على الزمن، وعلى الجغرافيا، أيضاً.
ويُقال إن أميركا قد أعادت طرح شروطها حول الملف النووي دون أن تتراجع عنها، وأن إيران قدمت لها رزمة متكاملة لكامل الملف.
وأبدت إيران، على ما يبدو، استعدادها لإبطاء البرنامج وليس تجميده، وأعربت عن قبولها المبدئي لتخفيض نسبة التخصيب إلى ما تحت نسبة الـ 20%، وإلى ما فوق التجميد، وأنها مستعدّة لكل أنواع الرقابة طالما أنها منضبطة وملتزمة بقواعد الرقابة المنصوص عليها في المواثيق الدولية ذات الصلة، وحسب أنظمة ولوائح معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.
وأعادت إيران حسب التسريبات الأولية أن حقها في التخصيب غير قابل للتفاوض، وأن إيران على قاعدة هذا الحق مستعدّة لمناقشة أشكال الرقابة، وكل أشكال التيقّن والضمانات.
ومن أجل اللعب على الوتر الحسّاس الذي يهتمّ به رئيس أميركا دونالد ترامب، وهو الوتر الاقتصادي والمالي فقد طرحت إيران على الوفد الأميركي السياسي والعقاري من جهة، والوفد الفني والاقتصادي، أيضاً، رزمةً أخرى من الحوافز الاقتصادية تتمثل بالاستثمار الأميركي في قطاع النفط والغاز، وفي مجالات التعدين، وعرضت إيران شراء أسطول متكامل من الطائرات المدنية بما يزيد على 100 مليار دولار، ومن استثمارات ومزايا إيرانية في الاقتصاد الأميركي بما يربو على تريليون دولار على مدار عدة سنوات قادمة، ومزايا وإغراءات أخرى كثيرة.
وهنا يُقال إن إيران قد قدّمت لأميركا عرضاً يستحيل من زاوية المصالح الأميركية رفضه، بالرغم من صعوبة قبوله لأسباب داخلية أميركية، وخصوصاً لجهة الاعتراض الإسرائيلي عليه، ولجهة ما يمكن، وما تمتلك الأوساط الصهيونية من دوائر للنفوذ والتأثير، ولجهة ما يتعرض له المجتمع الأميركي، وكذلك مجتمعه السياسي من ابتزازات لا يمكن لترامب القفز عنها بسهولة.
لكن جلسة المفاوضات أثبتت حتى الآن، على الأقل، أن «السلام» على الطريقة الأميركية، والذي يحاول ترامب فرضه بالتهديد وبالحرب، فقد تمت مجابهته بالقوة اللازمة لتحويله إلى سلام من نوعٍ آخر، قائم على المصالح المتبادلة، والمنافع التي تلبّي الحاجة الماسّة لهذه المصالح لدى الطرفين.
وبهذا المعنى قدّمت إيران لأميركا تحويل التحدّي الذي تجد نفسها في معمعانه إلى فرصة كبيرة تحتاجها أميركا في ظل أزمتها الداخلية، ويحتاجها النّاخب الأميركي المؤيّد لـ»الحزب الجمهوري»، وتحتاجها القاعدة اللصيقة لترامب نفسه. لكن ثمن هذه الفرصة ليس سهلاً، ولا عابراً، وليس من النوع الذي لا يخشاه الأخير.
وهنا نحن أمام واحدة من أكثر الحوافز دهاءً، وأكثر أشكال الدبلوماسية حنكة و»خبثاً» في واقع الأمر.
ستعلن إيران عن رزمتها رسمياً قبل الموعد الجديد للمفاوضات، والتي تحدّدت بعد أسبوعين من انتهاء الجلسة، وسيصبح مضمون الصفقة جزءاً من حالة الجدل في الأوساط المحيطة بترامب، وستحاول اللوبيات الصهيونية أن تشنّ هجوماً كاسحاً على هذه الصفقة، وهو ما سيؤدّي إلى تأجيج حالة الاستقطاب في «الجمهوري» بين مؤيّد لدولة الاحتلال حتى ولو أدّى ذلك إلى حربٍ طاحنة، أملاً بربح الحرب، وحسم الأمر لصالح هذا التيار بالذات، وبين من يرون أن مصلحة الحزب تقتضي الذهاب إلى هذه الصفقة حتى ولو أدّى ذلك إلى الصدام مع هذه اللوبيّات، وحتى لو كان الثمن هو المصالح الإسرائيلية الخاصة، طالما أن هذه المصالح الخاصة لا تصبّ في إستراتيجية «أميركا أوّلاً»، وطالما أن التحالف مع دولة الاحتلال، والتماهي معها لن ينقذ الحزب، ولا ترامب من أزماته المتلاحقة.
وفي أغلب الظنّ أن تأجيل الجلسة القادمة إلى ما بعد أسبوعين من انفضاض الجلسة الأولى لم يأتِ صدفةً على الإطلاق.
فإمّا أنّ الحلّ العسكري ما زال على الطاولة، وما زالت العملية العسكرية تناقش بزخم كبير، ويتم التدقيق في كل صغيرة وكبيرة، بما في ذلك العمليات الاستخبارية الكبرى، ونوعية وحجم الأسلحة التي سيتمّ استخدامها، وحجم الدعم ونوعية المشاركة الإسرائيلية فيها، أو دراسة احتمال القبول بالصفقة مبدئياً، والدخول في بعض تفاصيلها لتحسين صورة الإنجاز فيها من وجهة نظر المصالح الأميركية، ومن وجهة حاجة ترامب للصورة الذي يبحث عنها لمساعدته على الخروج من المختنق الذي يعيشه بصورة لم تخطر على باله في أسوأ كوابيسه على الإطلاق.
والحقيقة أن «المغامرة» بقبول الصفقة أقلّ خطراً على الإدارة الأميركية وعلى ترامب من الذهاب إلى حرب سيكون لها من الأبعاد، ومن الأخطار ما يطال الاقتصاد العالمي، ومن التداعيات والتبعات ما يتجاوز الحرب الإقليمية إلى ما هو أبعد نحو أشكال من الصدام في ساحات دولية.
لم يتبقّ لترامب والإدارة الأميركية هوامش واسعة، إذ إن الدعم الروسي والصيني لإيران لم يعد خجولاً، ولا متردّداً، والبلدان العربية والإسلامية لم تعد تتردّد في العمل على درء أخطار هذه الحرب بعد أن فهمت وتلمّست بأن الحروب الخاطفة أصبحت خلفنا، وأن إيران ستعتبر الحرب كلها مشروعة في الدفاع الوجودي عن نفسها، وأن الأمور لم تعد تحتمل أي مغامرات لأن نشوبها سيعني الدخول إلى المجهول الذي ينطوي على كل أنواع الخطر، بما فيها خطر اشتعال الإقليم كلّه.
ولا يبدو أنّ الكرة في الملعب الإيراني ــ وهذه في الواقع نقطة قوة إيرانية ــ لأن إيران من زاوية استعداداتها العسكرية تبدو أنها عالية للغاية، ومن زاوية ما قدّمته، أو ما هي مستعدّة لتقديمه في إطار الصفقة تبدو وكأنها، أو هي في الواقع كذلك الجهة العقلانية، والجهة المسؤولة، والجهة الأكثر حرصاً على تفادي الانزلاق إلى حروب طاحنة، في حين تبدو الكرة في الملعب الأميركي، وسيظهر الرفض الأميركي للصفقة، وكأنه خارج نطاق المنطق، وخارج نطاق العقلانية، وسيبدو ترامب وكأنه فاقد «للتحرّر» من قيود اللوبيات الصهيونية حتى حينما يتعلّق الأمر بالمصالح الأميركية الواضحة وضوح الشمس، والضرورية إلى أبعد حدود الضرورة.
هذه أصعب أيّام ترامب حيث تتنازعه ولاءاته للصهيونية وتماهيه معها، ومع أهدافه الكبرى من جهة، ومصالح هذه الإدارة، أو في جزءٍ منها في عدم المقامرة بحرب هي أقرب إلى مصالح دولة الاحتلال منها إلى مصالح وطبيعة هذه الإدارة في البحث عن المال والأعمال، وفي البحث عن الفرص والصفقات.
وإذا تمكّن التكتيك الإيراني من وضع هذه الإدارة في حالة الحيرة بين هذين الاتجاهين من الحسم فإن إيران تكون قد نجحت مبدئياً في التحضير للجلسات القادمة للتفاوض، بعد نجاحها في حصر التفاوض في الملفّ النووي، على عكس ما كان يُروّج له ترامب.