لماذا يغيب النقد والشرعية في نداء الجبهة الديمقراطية ؟
نشر بتاريخ: 2026/02/17 (آخر تحديث: 2026/02/17 الساعة: 18:23)

بمناسبة الذكرى 57 لانطلاقة الجبهة الديمقراطية أطلق الأمين العام فهد سليمان نداء موجها للشعب الفلسطيني وحركته الوطنية.

في وضع كهذا من الطبيعي أن ينصت أي مواطن عاش حرب الإبادة لنداء الجبهة عله يرى شيئا إيجابيا وذلك بعد أن عاش الفلسطينيون أهوال حرب إسرائيلية لم ترحمهم ولم تترك لهم غير الموت ودمار كل مقومات الحياة البشرية فضلا عن حقوقهم الوطنية والمدنية.

بعد توقف الحرب ننتقل من حيز التوقع والتقدير والحسابات الافتراضية إلى الحصاد والنتائج الميدانية التي عبرت عنها خطة ترامب.

من حق المواطن أن يقف عند نتائجها الفعلية التي يعيشها ويراها ويدفع أثمانها، وليس عند نتائجها المرغوبة.

ومن واجب القوى السياسية أن تقول الحقيقة بشجاعة ومسؤولية، دون إسقاط للرغبات، أن تقول للمواطنين كيفية الخروج من المأساة، واستخلاص الدروس وتتوقف عند أين أصبنا وأين أخطأنا، بغية تعزيز الصواب وتفادي الأخطاء.

نداء الجبهة الديمقراطية ابتعد كثيرا عن الواقع محاولا الاستقواء بزمن آخر عندما استعاد شعار «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة». قافزا عن حقيقة تراجع النظام العربي عن القوة، وفشل الثورة الفلسطينية في استخدامها وبخاصة بعد هزيمة 82 وإغلاق كل الحدود العربية المحيطة بفلسطين أمام الثورة، وفشل الانتفاضة المسلحة عام 2000، وفشل 4 حروب مواجهة بين المقاومة التي تقودها حماس من قطاع غزة ودولة الاحتلال التي كانت تدمر البنية التحتية للقطاع وتلحق خسائر بشرية ومادية كبيرة وتنتهي بهدن طويلة وشروط إسرائيلية، وصولا إلى حرب الطوفان التي ردت عليها دولة الاحتلال بحرب إبادة في قطاع غزة وقد أحالته إلى مكان غير قابل للحياة، وبحرب تصفية وتطهير عرقي وضم في الضفة الغربية.

الاستنتاج المنطقي المنسجم مع سائر التجارب العملية ونتائجها، أن الشكل الرئيس للنضال الفلسطيني منذ انتفاضة 87 وحتى يومنا هذا هو النضال اللا عنفي أو السلمي الذي يتفرع إلى عشرات الأشكال. وإن اتباع حركة حماس استراتيجية حرب مواجهة عسكرية شاملة مع أحدث وأقوى الجيوش وأكثرها قدرة على التدمير والإبادة، يتنافر مع الاستراتيجيات العسكرية بما فيها حرب الشعب والتحرر الوطني، ويؤدي إلى نتائج وخيمة كما حدث في حرب الإبادة وحروب المواجهة الأربع السابقة.

لا ينتقص الاعتراف بفشل المقاومة المسلحة، ولا ينتقص الاعتراف بحماقة فتح معركة شاملة مع دولة مسكونة بعقدة الأمن، من حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وصولا إلى التحرر والاستقلال.

الحق في المقاومة لا يتقيد بشكل واحد وأسلوب واحد للنضال، وهو غير مقدس ويعتمد على الجدوى والنتائج. فقد انتقلت جنوب إفريقيا من المقاومة المسلحة إلى المقاومة اللاعنفية، بعد أن خسرت في الأولى، ثم فازت في الثانية. واعتمدت انتفاضة 87 الوطنية الكبرى الشكل السلمي ونجحت في تحييد آلة الحرب الإسرائيلية وحققت مكاسب كبيرة.

بدلا من نقد المغامرة العسكرية يوم 7 أكتوبر، والحث على الانسحاب من مواجهة غير متكافئة معروفة النتائج بأسرع وقت لتفادي المزيد من الخسائر البشرية والتدمير، وبدلا من قطع الطريق على الهدف الإسرائيلي في إطالة أمد حرب الإبادة وإعادة بناء الهيمنة الإسرائيلية الأميركية في طول وعرض المنطقة، بدلا من ذلك جرى ركوب وهم الفوز في المعركة.

يقول نداء الجبهة الديمقراطية: لقد كشفت مقاومة شعبنا في قطاع غزة أكذوبة القول إن إسرائيل قوة لا تقهر، وإنها أقوى دولة في المنطقة.

لقد أثبت شعبنا أنه يعرف كيف يصمد ويقاتل ويضحي ولا يستسلم، وكيف يتصدى لإسرائيل وللأساطيل الأطلسية.

يفهم من هذا النص أن فلسطين صمدت أمام الشروط وأفشلتها غير أن خطة ترامب ببنودها العشرين التي وافقت عليها التنظيمات والسلطة تقول عكس ذلك، كما أن استمرار القتل والتدمير الإسرائيلي من طرف واحد بعد وقف إطلاق النار يعكس توازنات القوة.

تنص الخطة على نزع السلاح وتدمير الأنفاق وخروج حماس من الحكم وتسليمه للجنة تكنوقراط - وربط إعادة الإعمار لـ 85 % من قطاع غزة المدمر بما في ذلك المدارس والمستشفيات والجامعات بتحقيق هذه الشروط.

يضاف إلى ذلك عضوية نتنياهو في «مجلس السلام» الذي يقوده ترامب كحاكم فعلي لقطاع غزة.

ورغم ذلك يقول النداء: لن تنال إسرائيل بالمفاوضات ما عجزت عنه في حرب الإبادة.

ويضيف: أعلنوا عزمهم على نزع سلاح المقاومة بالقوة. لكن شعبنا بالتحامه بالمقاومة الباسلة أسقط لهم هذا الهدف.

هل أسقط هذا الهدف حقا ؟ وإذا أُسقط لماذا تتفاوض حماس على استبقاء السلاح الخفيف مع تسليم السلاح الثقيل.

ويضيف نداء الجبهة: ادعوا أنهم بالقوة سوف يستردون أسراهم لكنهم فشلوا.

السؤال: ماذا يعني تسليم جميع الأسرى الإسرائيليين الأحياء والأموات خلافا للشروط التي وضعتها حماس؟

ما يهم تحقيق أو عدم تحقيق الهدف سواء بالقوة أو بالتهديد. وهنا لا يمكن إغفال ميزان القوى والخسارة والربح في أي تفاوض، وفي كل الأحوال لا تقاس النتائج بمستوى الإنكار.

لم تستطع المقاومة ولا النظام والمجتمع الدولي منع إسرائيل من تدمير 85% من قطاع غزة. لكن العالم اعتمد الفعل الإسرائيلي بوصفه جريمة حرب ضد الإنسانية.

أما فشل التهجير حتى الآن فيعود أولا للموقفين المصري والأردني الرافضين بمستوى قاطع للتهجير، ويعود ثانيا لعدم استعداد معظم الدول لاستقبالهم، وبعد ذلك سنتوقف عند الحق الفردي الطوعي في طلب الحماية ومدى قبوله أو رفضه من قبل البشر الذين يتعرضون للإبادة والمحو.

ولهذا الموضوع صلة بالصمود والبقاء يقول النداء: (نتطلع بفخر كبير إلى صمود أهلنا في قطاع غزة، والتحامهم مع المقاومة الباسلة، مقدماً للعالم أروع مشاهد الصمود والثبات والتماسك، وصون الكرامة الوطنية).

يلاحظ في بندي التهجير والصمود إغفال كامل لحق المواطن فردا وجماعة في الحياة والسلامة من الحرب، وهذا يطرح واجب توفير الحماية أولا من التنظيمات التي بادرت إلى إعلان حرب ضد الاحتلال، وثانيا من مؤسسات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومن النظام الدولي وصولا إلى النظام العربي.

إن عدم تأمين الحماية للأطفال والمسنين والمرضى والحوامل والمرضعات وذوي الاحتياجات الخاصة كأولوية ولكل المدنيين، يعد قصورا فادحا، لا يبرر باستخدام مصطلحات الصمود والثبات والتماسك.

كما أن الحق في الحياة والحماية من الحرب لا يمس علاقة الفلسطينيين المتجذرة بوطنهم ولا بدفاعهم ونضالهم التاريخي عنه في مواجهة كل أشكال الاحتلال والاستعمار.

في الختام يطرح نداء الجبهة الديمقراطية مبادرة سياسية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الداخلية في إطار منظمة التحرير عبر عقد دورة للمجلس المركزي، يتم عبرها التوافق على البرنامج النضالي لمواجهة استحقاقات المعركة الوطنية في الضفة والقطاع، وانتخاب لجنة تنفيذية تضم جميع القوى الفلسطينية، تشكل القيادة اليومية لشعبنا.

المبادرة تخلط الشرعية الفلسطينية مع الذين لم يعترفوا بها - حماس والجهاد - بصيغة توافقية.

بدلا من مواءمة التنظيمين مع الشرعية تقوم الجبهة الديمقراطية بمواءمة الشرعية المعترف بها من 160 دولة كي تلائم حماس.

كان الأجدر بالجبهة الديمقراطية إقناع حماس بالشرعية لتصبح جزءا منها بالاستناد إلى قواعد الشرعية وليس بالصيغ التوفيقية والمناورات الآنية التي لم تفلح في تحقيق شيء.