لست ممّن يعتقدون أن انعقاد أوّل اجتماع لما يسمّى «مجلس السلام» الخاص بغزّة، في أوائل أيام شهر رمضان، ينطوي على أيّ رسالة من قبل رئيس أميركا دونالد ترامب، قد تعني انحيازاً ولو بقدر محدود لصالح الدول الإسلامية المشاركة في المجلس العتيد.
27 دولة، هي قوام المجلس العالمي للسلام إذا استثنينا منها الدول العربية والإسلامية، فإن معظم الدول الأخرى موالية تماماً للدولة العبرية.
أشهر مضت على الإعلان عن المجلس، نظرياً حاول خلالها ترامب توسيعه ليضمّ دولاً وازنة وفاعلة في الشؤون الدولية، لكنه قوبل بمقاطعة واسعة، فلا أوروبا ولا الصين ولا روسيا، ولا البرازيل، ولا كثير من دول العالم أعلنت استعدادها للانضمام له.
حين يعلن انضمام بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»العدالة الدولية»، ودولته المتهمة بارتكاب إبادة جماعية وممارسات عنصرية احتلالية فإن مثل هذا المجلس لا يمكن أن يكون له علاقة بالسلام.
يتأكّد ذلك في غياب الطرف الفلسطيني، الذي يشكّل العنوان الرئيس الآخر مقابل الاحتلال، وهو المعني بالصراع والسلام، ما يعني أنه سلام القوّة المفروضة على شعب يظنّون أنه بلا خيارات، وبلا إرادة.
لم يكن الوضع يحتاج إلى انعقاد المجلس، حتى تظهر أميركا رغبتها وعزمها على جدّيتها في تطبيق «خطّة ترامب» التي يفترض أنها تشكّل الأرضية لكل حديث عن السلام لاحقاً.
تشهد غزّة بعد ما يقرب من خمسة أشهر على دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، بأن كل حديث عن الانتقال للمرحلة الثانية من قبل أميركا والوسطاء، لم يكن سوى التغطية على السلوك الإسرائيلي في كل جزئية من تفاصيل الاتفاق.
القصف وإسقاط المزيد من الشهداء والجرحى يومياً، والتحكّم بآلية عمل المعابر على نحو مشين، والتحكّم في كمية المواد الإغاثية والوقود، والآليات وتوسيع المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال حتى بلغت نسبتها 58% من أرض القطاع، كل ذلك، لم يحرّك ساكناً لدى من يزعمون تحقيق السلام.
وما تشهده الضفة الغربية والقدس، عنوان آخر خطير لما تقوم به دولة الاحتلال على قدمٍ وساق، وأمام أنظار العالم، بما يؤكّد دون جدل على طبيعة هذا المجلس.
الخيارات المطروحة أمام المجلس محدودة، فهي إمّا أن دولة الاحتلال ستقوم بما عليها القيام به مباشرة، بما يتفق وأهدافها التوسّعية والتصفوية، وإمّا أن المجلس «الترامبي» وفق آلياته وميثاقه سيقوم بتحقيق تلك الأهداف نيابة عن كيان الاحتلال.
هذا المجلس العتيد، لم يجرؤ حتى الآن، على إرغام دولة الاحتلال على السماح بدخول اللجنة الوطنية الفلسطينية إلى القطاع للمباشرة بأعمالها، أو حتى التحضير للقيام بأعمالها حين تصدر الإشارة من المجلس.
أراد ترامب أن يكون المجلس عالمياً وبديلاً للأمم المتحدة ومؤسّساتها، واستمرّ في الإعلان عن أن مهمّته تتجاوز غزّة إلى ما هو أوسع لتبريد بؤر التوتّر والصراع، لكن تشكيلته وحدوده على الأرجح، لا تتجاوز القطاع والمحيط القريب.
ربّما يكون محقّاً إلى حدّ كبير، من يحّمل الدول العربية والإسلامية المشاركة في المجلس، المسؤولية عن عدم قدرتها على فرض وجود الطرف الفلسطيني فيه باعتباره صاحب القضية والضحيّة التي تحتاج إلى إنهاء الاحتلال، وإحلال السلام، ولكن دعونا نكُنْ متفائلين قليلاً.
مسألة مشاركة الدول العربية والإسلامية، تتجاوز حدود استمرار الوساطة والعقل، لمعالجة بعض العُقد الصعبة مثل موضوع السلاح الفلسطيني، أو مصادر تمويل إعادة الإعمار، أو الانسحاب الإسرائيلي، أو حتى إرسال قوات ضمن إطار حفظ السلام، والاستقرار.
الدول العربية والإسلامية المشاركة معنية تماماً سواء بتطوّرات القضية الفلسطينية، التي تعتبرها قضيتها المركزية، أو لأن بقاء وتوسّع الصراع، يهدد أمنها الإقليمي، ولذلك فإن وجودها في المجلس يشكّل ضمانة لتحقيق التوازن مع الطرف الإسرائيلي.
إذا كانت «الخطّة»، في مضمونها تجسيداً لمنطق الصفقات التجارية التي يسعى خلفها ترامب والمجموعة المحيطة به، فإن موضوع المال والتمويل، هو الأمر الجوهري ذلك أن إدارته ليست مستعدّة لأن تصرف دولاراً واحداً من الخزينة الأميركية.
وبطبيعة الحال، ليس هناك من يلزم دولة الاحتلال بتحمّل مسؤولية عن نفقات إعادة الإعمار والتعويضات باعتبارها السبب الأساسي في تدمير كل القطاع.
ولا نعتقد، أيضاً، أن بقية الدول الأخرى الأعضاء في المجلس، تملك الإمكانيات والقدرات للمساهمة في عملية إعادة الإعمار التي تكلّف عشرات مليارات الدولارات.
يبقى أمر إعادة الإعمار معلّقاً بين الدول العربية وبين الشركات الربحية، التي تحاول الإدارة الأميركية أن يكون لها النصيب الأكبر إن لم يكن كله.
إذا كان ذلك صحيحاً، فإن الدول العربية والإسلامية، سواء صاحبة الثقل المالي، أو صاحبة الثقل السياسي والاقتصادي تستطيع أو هكذا تفترض أنها تستطيع التأثير بقوة في اتجاه تكبيل يد دولة الاحتلال.
عموماً يمكن أن نلاحظ أن ترامب وإدارته، يعير اهتماماً لمراكز المال العربي، وللدور الإقليمي الفاعل لتركيا وباكستان.
ولذلك فإنّ ثمّة إمكانية للمراهنة على دور الدول العربية والإسلامية ليس فقط تجاه ما يتعلّق بالقطاع، وإنّما نحو فتح مسار سياسي يتصل بطبيعة الحلول الممكنة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
هكذا تبدو المسألة صعبة جداً بل مستحيلة مع دولة الاحتلال وقيادته المتطرّفة، ولكن هذا الاستعصاء من شأنه أن يعمّق التحوّلات الجيوإستراتيجية الجارية في المنطقة، وبما ينعكس على الأوضاع الدولية، في وقت أصبحت فيه فلسطين وقضيتها في قلب اهتمامات الرأي العام العالمي.