هل جيفري إبستين هو مصباح علاء الدين السحري؟!
نشر بتاريخ: 2026/02/11 (آخر تحديث: 2026/02/11 الساعة: 16:50)

حاولت أن أستقصي بعض ملفات جزيرة سانت ليتل جيمس، أو جزيرة إبستين، فيما أتيح لي ممّا نُشر في الصحف الإسرائيلية، فوجدتُ أن معظم الصحف الإسرائيلية كانت تنقل عن غيرها أخبار هذه الجزيرة، وليست هناك هجمة إعلامية رقمية في إسرائيل على ملفات هذه الجزيرة المنكوبة بالفساد مثلما يحدث عندنا وفي كثير من دول العالم، خاصة الدول المحكومة بالقهر والفقر، ففي شباط 2016، وفي ذروة أزمات العالم الاقتصادية والسياسية والطبيعية، انشغلت وسائل الإعلام في كثير من الدول بهذه الهجمة الإعلامية الكبرى.

سوف أقتبس لقطات من بعض المقالات الإسرائيلية، خاصة من الكتّاب المؤثرين ممّن نشروا عن بعض خفايا ملفات جيفري إبستين. كتب الصحافي الإسرائيلي البارز، جونثان توبين، وهو رئيس تحرير الصحيفة اليهودية GWN وهو خريج جامعة كولومبيا ومختص بالعلاقات الإسرائيلية الأميركية، وله قناة بودكاست، وحاصل على ست جوائز في المجال الفني والأدبي، قال توبين: «نشرت الحكومة الفيدرالية يوم 5-2-2026 حوالى ثلاثة ملايين وثيقة وآلاف الملفات الصوتية والرسائل الرقمية، وهي لا تزال الجاذب الرئيس للقارئين، وهي ملفات جزيرة إبستين، كل تلك الوثائق ليست تحقيقاً صحافياً لرجل انغمس في الملذات، بل إنها تُغذي نظرية المؤامرة، فلم تعد تلك الملفات جرائم أخلاقية وجنسية غير قانونية، بل أصبحت مفتاحاً لفهم ما يعتقد كثيرون به، إنها في الحقيقة مرآة مشوّهة لنظرية اللاسامية، إنها تعيد مرة أخرى نظرية (فرية الدم) في التراث اليهودي».

ليس هناك تأكيد صريح على أن إبستين كان مندوباً لـ»الموساد» فيما تابعتُه من وسائل الإعلام، وهذا أمر طبيعي، لأنه من المستحيل أن يعترف أحدٌ بأن إبستين قد زُرع في الجزيرة من جهاز «الموساد» ليُسقط زعماءَ العالم وكبار قادة الفكر وأصحاب المليارات، لينفذوا ما تطلبه إسرائيل منهم. هناك إنكار حذِر لدور «الموساد» في جزيرة إبستين، غير أن البوست الذي نشره نتنياهو يوم 8-2-2026 كان تبريراً ضعيفاً جداً لعدم وجود صلة بين إسرائيل وإبستين، بل هو قد يُثبت تورط إسرائيل في ملف إبستين، عندما أورد نتنياهو سبباً غير مقنع لعدم وجود علاقة بين إسرائيل وإبستين. قال: «إن علاقة إيهود باراك الوثيقة بجيفري إبستين تُثبت عدم وجود علاقة بين دولة إسرائيل وإبستين، لأن إيهود باراك يهدف لتقويض حكومة إسرائيل، كما أن باراك هو يساري راديكالي، هدفه إشعال الساحة الإسرائيلية بالتظاهرات باستخدام تصريحات زائفة».

على الرغم من ذلك، فإن كثيرين من الصحافيين الإسرائيليين ركزوا على ملفات باراك وعلاقته القوية مع إبستين، فبعض الصحافيين برروا العلاقة بين الاثنين بأنها علاقة تجارية ومالية، وليست علاقة جوسسة. هؤلاء أهملوا ملف باراك الاستخباراتي، وغضوا الطرف عن أن باراك هو من أبرز قادة مدرسة «الموساد»، وهو قد شغل منصب وزير الدفاع ورئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، وقد نفذ عدة عمليات استخبارية خطيرة، أبرزها عملية طائرة «سابينا» البلجيكية في 2-5-1972، المختطفة من منظمة أيلول الأسود الفلسطينية، وقد كان باراك نفسه المسؤول الأول عن أبرز كتيبة في جيش إسرائيل مكلَّفة بأخطر عمليات «الموساد» وهي كتيبة «سريت متكال» العسكرية المكلفة بمداهمة الطائرة المخطوفة، وكان نتنياهو ضابطاً صغيراً في هذه الكتيبة، أما القائد الأول فهو إيهود باراك.

كذلك صرف صحافيو إسرائيل النظر عن عملية فردان في بيروت، فقد أشرف باراك على اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة (أبو يوسف النجار، وكمال ناصر، وكمال عدوان) يوم 10-4-1973، وتخفَّي في صورة امرأة.

إن ما ورد من أسرار في ملفات إبستين، خاصة ما نشره زئيف أبراهامي، الكاتب الإسرائيلي في نشرة «واي نت» يوم 6-2-2026، يُثبت أن باراك كانت له أهدافٌ أخرى غير تجارية، قال الصحافي: «كان إيهود باراك يمكث في شقة إبستين مدة طويلة جداً تصل إلى عدة شهور، وظل باراك في الشقة حتى قبل أسبوعين من اعتقال الأخير، أي يوم 21-6-2019، وكذلك نقل باراك إلى شقة إبستين في نيويورك أربعة وعشرين صندوقاً»!

كثيرون ممن رصدوا الحوار الذي سُمح بنشره بين باراك وإبستين في الرسائل الرقمية، أكدوا أن مجال الحوار المنشور في الوثائق بينهما كان ينصبّ على موضوع واحد فقط، وهو كيف يتمكن إبستين أن يتوسط عند الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لكي يسمح بهجرة مليون مواطن روسي إلى إسرائيل، كما حدث في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات عندما وصل إلى إسرائيل مليون مهاجر روسي، كل ذلك لتصحيح الميزان الديموغرافي، خوفاً من تكاثر الفلسطينيين (عرب إسرائيل) وكذلك منعاً لازدياد نفوذ الحريديم الأصوليين اليهود المكروهين من باراك؛ لأنه كان يسارياً، وكان زعيم حزب العمل اليساري، وكذلك انصب الحوار بين الاثنين على طريقة محاصرة نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة؛ لأن نتنياهو عدو باراك الرئيس، وكأن تهجير مليون روسي لإسرائيل ليس ملفاً جاسوسياً.

كثيرون لا يدركون أن الاعتقاد بأن إبستين مكلفٌ من «الموساد» هو في حد ذاته مجال فخر سري لـ»الموساد» الإسرائيلي، لأنه يُظهر «الموساد» بأنه المؤسسة التي تتحكم في مصير العالم كله. هذا الاعتقاد أيضاً مريحٌ لمن يؤمنون بنظرية المؤامرة!

يجب ألا ننسى أن هذا الاعتقاد بكفاءة «الموساد» وقدرته على التأثير على كل دول العالم سيُفاقم موجات اللاسامية في كل دول العالم، ما سيدفع يهود الدياسبورا للهجرة إلى إسرائيل، خاصة يهود أميركا، وهم الأكثر عدداً، وكذلك اليهود في دول أوروبا.

أما ملفات إبستين بالنسبة للعرب، جاءت بمثابة حقنة مهدئات وقتية، لأنها أكدت لهم ما كانوا يؤمنون به بغير دليل قاطع، أن هناك حكومة عميقة تقود العالم في جزيرة إبستين، كما أن ملفات إبستين المفرج عنها أثبتت لأمة العرب والدول النامية أن العالم كله مملوك لهذه الدولة العميقة التي يديرها أباطرة وقادة فاسدون ومفسدون، يرتكبون الآثام والجرائم، وأن هذه الجرائم هي الطريق الوحيد للحصول على السلطة.

هناك فئة من أبناء يعرب شُغفوا بمتابعة الوثائق المنشورة، على الرغم من أن كل المنشورات من هذه الوثائق المكونة من ملايين الملفات الرقمية والصور لا تزال مملوكة للحكومة العميقة نفسها، وأن معظم ما ظهر منها في وسائل الإعلام يصبّ في هدفٍ واحد وهو إشغال الجماهير بهذه الملفات وكأنها طوق النجاة من واقع العالم البائس. هذه الوثائق أبرزت أسماء بعض المتعاونين العرب مع جيفري إبستين، لذلك فإنها تغذي حالة الشقاق والنزاع بين هذه الدول، مع العلم أن مالكي هذه الوثائق يسوّقون ما يروق لهم من هذه الوثائق، ويخفون ما يرغبون في إخفائه بما يخدم مصالحهم بالدرجة الأولى.

إن مالكي هذه الوثائق يعلمون أن الجماهير تعشق الفضائح، خاصة كل ما يتعلق بالزعماء المنبوذين من شعوبهم، وأن هذه الجماهير تسعى لاكتشاف المتورطين في الفضائح المنشورة عن جزيرة إبستين.

إن جماهير الدول الضعيفة في الغالب الأعمّ تسعى للتشفي من قامعيهم وظالميهم ممن يتصدرون المناصب الرفيعة والقيادات السياسية، وهم مقتنعون بحكم حالة القهر التي يعانون منها بأن هناك قوة خفية ستظهر مع كشف ملايين الوثائق وستنقذهم من الفقر والفاقة والتعاسة والاكتئاب.

هذه الجماهير بدأت تُصدِّق بعض الخرافات، ومنها أن مالك الجزيرة كان يتعاون مع كائنات فضائية غامضة. هذه الجماهير شرعت كذلك في التصديق بأن جيفري لم يمت انتحاراً كما برز في وسائل الإعلام، بل هرب وشوهد وهو يتجول في شوارع تل أبيب، بعد أن أجرى تعديلاً على صورة وجهه وملامحه.

كذلك لا يزال تركيز المتابعين والإعلاميين العرب على بعض أسماء العرب ممن تبادلوا الرسائل مع إبستين، وكأنه تحوّل إلى كائن فضائي! فهو مفتاح الحكم والثراء والقيادة والرفعة في عالم اليوم، أو مصباح علاء الدين السحري فاتح أبواب الثروات والزعامات.

أما طبقة المثقفين العرب، وكثيرون من مثقفي العالم، فسوف يشعرون بالانتشاء؛ لأنهم كانوا دائماً من أنصار نظرية المؤامرة، خاصة وجود حكومة عميقة تحكم العالم كله بوساطة تدريب الرؤساء على الرذائل، وليس هناك ما هو أسهل من نسبة هذه الحكومة إلى «الموساد» الإسرائيلي، وهذه النظرية أشهر النظريات الرائجة في العالم كله.

إن النتائج من هذا الزلزال العالمي ستظهر بعد وقت وجيز، وستكون نتائج الزلزال سريعة في كلٍّ من أميركا، ثم بريطانيا، ولكنها ستكون بطيئة في غيرها من الدول. قد تتغير الحكومات أو يطاح بها في ثورات جماهيرية، غير أن الحقائق الكاملة ستظل وديعة في صندوق السر العالمي الأسود، وأكثرها خطورة الجُزر التي لم تُكتشف بعد.